وصلت أسعار الغذاء في مصر إلى مستويات غير مسبوقة؛ قبل سبع سنوات كان يمكن الحصول إلى رغيف خبز وزنه 110 جرام بخمسة قروش فقط، والرغيف السياحي وزن "150" جراما، بــ20 قرشا فقط في المخابز الخاصة غير المدعومة. اليوم في بدايات سنة 2022، بات سعر رغيف الخبز وزن "60جراما" بــ75" قرشا!
هذا الأمر انعكس على سعر ساندوتشات الفول والطعمية؛ حيث ارتفع إلى نحو "5" جنيهات للواحد؛ بينما كان سعره قبل انقلاب 3 يوليو 2013م "75" قرشا فقط. تسببت الحكومة في هذا الغلاء بعد أن فرضت سنة 2018، على عربات الفول والفلافل، المنتشرة في الشوارع إتاوة سنوية تبلغ 5 آلاف جنيه، ولاحقتهم بضرائب، وفقا لقيمة المكان الذي تعمل في نطاقه. معنى ذلك أن وجبة إفطار لأسرة مكونة من 5 أفراد يحتاج إلى نحو 30 جنيها عبارة عن (10جنيهات خبز + 8 جنيهات فول + 7 جنيهات طعمية + 6 جنيهات سلطة أو مخلل)، يعني أن الأسرة ستنفق نحو ألف جنيه شهريا على وجبة الإفطار فقط! أما لو أراد أن يأكل بيضا وجبنا فإن وجبه الإفطار سترتفع إلى نحو 1500 جنيه شهريا لا سيما وأن سعر طبق البيض حاليا أعلى من 60 جنيها وكان حتى 2016 لا يزيد سعره عن 15 جنيها فقط. فماذا عن وجبه الغداء؟ بات سعر وجبة الغداء لأسرة من 5 أفراد تصل إلى نحو 150 جنيها؛ ما يعني أن تكلفة الوجبة على مدار الشهر تقترب من 4500 جنيه، وبالتالي فإن هذه الأسرة المسكينة تحتاج فعليا إلى نحو 5500 جنيه على طعامها فقط دون أن تتناول فاكهة و أشياء من هذا القبيل، لأن الأسرة إذا وضعت ميزانية للفاكهة فإنها ستحتاح إلى الأقل إلى نحو ألف جنيه أخرى! فكيف يواجه المصريون هذا الغلاء الفاحش؟ ولماذا يصر النظام السلطوي على تقليص مخصصات الدعم رغم هذا الوباء الكاسح؟
وتؤكد تقارير البنك الدولي الصادرة في مايو 2019، أنّ 60% من سكان مصر، إما فقراء أو عرضة للفقر، إذ أصبح دخل الفرد من هذه النسبة لا يزيد عن 1.9 دولار أي نحو 30 جنيهاً يومياً. ويرتفع عدد الفقراء في صعيد مصر بنسبة تصل إلى 66%، ويعترف الجهاز المركزي للإحصاء والتعبئة الحكومي أن قرار تخفيض قيمة الجنيه المصري ـ الذي خسر 60% من قيمته ـ زاد من معدل الفقر في البلاد ما بين عام 2015 إلى 2018، بنسبة 4.7%، حيث كان 27.8% من المواطنين تحت خط الفقر عام 2015ـ 2016، فأصبحوا يمثلون 32.5% عام 2017ـ 2018، وهي أرقام ملعوب فيها لاعتبارات سياسية ودعائية؛ فالسلطة تعمل على تستيف تقاريرها وأرقامها على نحو يقلل من نسب الفقراء وتعدادهم وترجع الفقر إلى زيادة الإنجاب، إذ تعتمد مستويات للدخل، أقل من المستوى الذي يحدده البنك الدولي، طبقاً لدراسات التقييم التي يجريها في 164 دولة سنوياً، فوفقاً لمعدل الدخل والإنفاق الذي يحدده الجهاز المركزي للإحصاء والتعبئة، يقع المواطن تحت خط الفقر المدقع، عندما يقل دخله عن 491 جنيهاً شهرياً، ويرتفع إلى معدل خطر الفقر إذا حصل على 736 جنيهاً شهرياً.
ووفقا لدراسة أجرتها منظمة "فاو" التابعة للأمم المتحدة، فإن سبب انتشار السمنة، وسوء التغذية وفقر الدم بين المصريين، هو اعتمادهم على تحقيق الإشباع عند تناول الوجبات، باستهلاك المزيد من خبز القمح، الذي يوفر 45% من البروتين وثلث السعرات الحرارية، اللازمة للفرد يومياً، وتبين الدراسة أنّ 45.4% من المصريين، ليس بمقدورهم تحمل تكاليف نظام غذائي كاف، ولا يقدر 84.8% على تحمل تكلفة نظام غذائي صحي.
ويتفق البنك الدولي في دراساته الأخيرة، مع رؤية "منظمة فاو" حيث يتوقع كلاهما زيادة معدلات الفقر، في دول الأسواق الناشئة مثل مصر، بسبب تراكم الديون وعدم قدرتها على توفير السيولة اللازمة لتمويل خطط شراء السلع الاستراتيجية، التي زادت بنسبة 28% عام 2021، وزادت معها أسعار اللحوم والالبان بنحو 10% والزيوت بنسبة 38%، مع زيادة الفائدة على الدولار والعملات الرئيسة في الأسواق الدولية.
هل يندلع ربيع عربي جديد؟
إزاء هذه المعطيات تساءلت صحيفة "التليجراف" البريطانية، عن تأثير الحرب في أوكرانيا على إمدادات الطعام إلى الشرق الأوسط، وإن كانت ستقود إلى ربيع عربي جديد. وفي تقرير أعدته راشيل ميلارد، قالت إن تعطل وصول القمح والمحاصيل عامل في ارتفاع المحاصيل، فقد زادت أسعار القمح بنسبة 25 في المئة منذ الغزو في 24 فبراير، ومن المتوقع أن ترتفع أكثر مع السيطرة على الموانئ الأوكرانية أو تعرضها للقصف الروسي. وقالت شركة "بي سي إي للأبحاث" إن عدم تدفق المواد الغذائية من منطقة البحر الأسود يهدد الصادرات إلى الشرق الأوسط الذي يعد سوقا رئيسية. وأضافت أن هذا قد يزيد من الضغوط على وضع احتياطي الحبوب في المنطقة "ما قد يقود إلى أعمال الشغب التي حدثت أثناء الربيع العربي عام 2011".
وقالت شركة "كابيتال إيكونوميكس" إن مصر، تحديدا، تعد عرضة للمخاطر، لأن نسبة 90 في المئة من صادرات القمح تأتي من روسيا وأوكرانيا. وتحاول مصر الحصول على الحبوب من مصادر أخرى ولديها محصولها المحلي ومخزون يكفي لمدة أربعة أشهر، لكنها تواجه زيادة في الأسعار على الحبوب المستوردة. وتنقل التلجراف عن جيمس سوانتون من "كابيتال إيكونوميكس" قوله: "عامل خطر رئيسي يأتي من تخفيض الدعم وزيادة معدلات التصخم في الطعام ما يهدد باضطرابات". وأضاف: "كلا العاملين ساهما في الاحتجاجات أثناء انتفاضة الربيع العربي عام 2011". وقال إن "زيادة الأسعار، إلى جانب الاقتصاد الذي ضرب بسبب أزمة كوفيد قد يقود إلى إحباط ينفجر على شكل اضطرابات جديدة".