بعد إعلان إثيوبيا تشغيل سد النهضة.. كيف فرَّط السيسي في حقوق مصر المائية؟

- ‎فيتقارير

من المحطات المهمة للغاية في الصراع المصري ضد إثيوبيا بشأن سد النهضة أن اللجنة الدولية لتقييم الدراسات الإثيوبية لسد النهضة والتي جرى التوافق عليها بين الدول الثلاث في 29 نوفمبر 2011م،  وكانت تضم خبيرين من كل دولة(مصر ـ السودان ـإثيوبيا) وأربعة خبراء أجانب محايدين، ومتخصصين في مجالات هندسة السدود والموارد المائية، وتأثيرات السدود على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وهي اللجنة التي بدأت عملها في مايو 2012، وأنجزت تقريرها النهائي في 31 مايو 2013م،  كشف التقرير النهائي الذي أصدرته عن وجود سلبيات خطيرة في التصميمات الإنشائية، وقالت اللجنة إن التصميمات الإنشائية التى قدمتها إثيوبيا عن السد هي تصميمات أولية وسطحية، ولا تختص بالمشروع نفسه ولا موقعه الحالي، ولا ترقى لمستوى الدراسات المطلوبة لسد بهذا الحجم الضخم، وأن بعض هذه الدراسات قد وضعت بعد البدء في بناء السد وأثناء عمل اللجنة. وأثبت التقرير أن حكومة إثيوبيا تخفي كثيرا من المعلومات الحيوية عن السد وتتعامل معها بسرية تامة، وأوصى الخبراء بضرورة وضع تصميمات جديدة للسد، وإتاحة كل المعلومات المتعلقة ببناء السد، وإجراء دراسات إنشائية وبيئية واقتصادية جادة وحديثة، وقد أقرت إثيوبيا بما ورد في التقرير، ووقّع الخبيران الإثيوبيان عليه كاملًا.

وبناء على هذه اللجنة أصدر كل من الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين والبنك الدولي في 23 أبريل 2014م قرارا مفاجئا بوقف تمويل السد الإثيوبي، على اعتبار أن هذا الاستثمار غير آمن لوجود خلافات مع دولتي المصب -مصر والسودان- وهو الأمر الذي أربك القيادة الإثيوبية إلى أبعد حد، وتوقف العمل تماماً في العمليات التمهيدية للبناء، وفي ذلك الحين أكدت وزارة الري المصرية في تعليقها: أن وزارة الخارجية خاضت معركة دبلوماسية شاقة من أجل استصدار هذا القرار، وإقناع هذه الدول والبنك الدولي بوقف تمويل السد، لما سيوقعه من أضرار جسيمة على مصر، وبالفعل تم تجميد قروض دولية بقيمة ٣،٧ مليار دولار. وكان ذلك يعني أن أثيوبيا فقدت الكثير من قدرتها على استكمال بناء السد حتى فاجأ السيسي الجميع بالتوقيع على اتفاق المبادئ الذي منح السد المشروعية القانونية ومنح أديس أبابا القدرة على الحصول على تمويلات ضخمة لبناء السد من جديد.

معنى ذلك أن مشروع السد كان في غرفة الإنعاش ولم يعد يمثل أزمة لمصر والسودان في ظل عدم قدرة أديس أبابا على توفير التمويل اللازم لإنشائه. لكن الطاغية عبدالفتاح السيسي فاجأ العالم بتوقيع اتفاق المبادئ بالعاصمة  السودانية الخرطوم في مارس 2015م .مع كل من رئيس الوزراء الإثيوبي السابق هايلي مريام ديسالين والرئيس السوداني السابق عمر البشير؛ الأمر الذي أعاد الحياة من جديد للمشروع ،  ذلك أن السد قبل هذا الاتفاق كان يمثل إنشاء غير شرعي ويخالف القانون الدولي للأنهار ، لكن توقيع السيسي على الاتفاق مثل اعترافا مصريا به وأكسبه الصفة القانونية، وفتح الباب أمام إثيوبيا لتمويل السد من جهات تمويل ودول أخرى كالصين وفرنسا وإيطاليا وغيرها. مشكلة هذا الاتفاق الذي يكابر السيسي حتى اليوم ولا يريد الاعتراف بأنه كان خطيئة كبرى في حق مصر أنه لم يضمن حقوق مصر المائية على النحو التالي:

  • المشروع الإثيوبى كشف عن تقصير مصرى سودانى 100%، لأن البلدين تجاهلا أن أساس أى مشروع مائى على الأنهار الدولية المشتركة، يعتمد على المدخل القانونى، وتقدير الوزن القانونى قبل الشروع فى تنفيذ المشروع.
  • الاتفاق أدى إلى تقنين أوضاع سد النهضة، وحوله من سد غير مشروع دولياً إلى مشروع قانونياً.
  • أضعف الاتفاقيات التاريخية، ولا يعطى مصر والسودان نقطة مياه واحدة؛ لأنه لم يتضمن تحديد حصة مصر بأرقام محددة مثل 55.5 مليار متر مكعب، واكتفي بدلا من ذلك بجملة مطاطة للغاية، وهي عدم الإضرار الجسيم، فاتحا الباب لجميع التفسيرات الإثيوبية.
  • تمت صياغته بما يحقق المصالح الإثيوبية فقط، وحذف الأمن المائى، ما يعنى ضعفا قانونيا للمفاوض المصرى والسودانى.
  • ساهم  الاتفاق فى تقوية الموقف الإثيوبى فى المفاوضات الثلاثية. ويجمع خبراء القانون الدولي أن البند رقم "10" في اتفاق المبادئ يمنح الطرف الإثيوبي وضعا قويا للغاية؛ لأنه قيد فكرة تدخل طرف رابع أو وسيط بين أطراف الأزمة الثلاثة "مصر وإثيوبيا والسودان" كما قيد اللجوء إلى التسوية القانونية عبر القضاء الدولي سواء أمام محكمة العدل الدولية أو القانون الدولي. وتنص الققرة "أ" من  المادة "10" على «تقوم الدول الثلاث بتسوية منازعاتها الناشئة عن تفسير أو تطبيق هذا الاتفاق بالتوافق من خلال المشاورات أوالتفاوض وفقًا لمبدأ حسن النوايا. وإذا لم تنجح الأطراف في حل الخلاف من خلال المشاورات أو المفاوضات، فيمكن لهم مجتمعين طلب التوفيق، والوساطة، أو إحالة الأمر لعناية رؤساء الدول/رئيس الحكومة”».

وثمة أمران:

الأول، ضرورة موافقة جميع الأطراف” على طلب التوفيق أو الوساطة، عبر استخدام عبارة «مجتمعين» ما يعني أن مصر لن تستطيع تمرير أي قرار خاص بالسد بصورة منفردة، كما أن تحقق هذا التوافق “الإجماع” أمر في غاية الصعوبة، ناهيك عن أن التسوية ستكون سياسية أيضًا من خلال طلب التوفيق” الذي يعني تشكيل لجنة لبحث النزاع من جميع جوانبه وتقديم تقرير للدول المعنية يقدم اقتراحات معينة غير ملزمة للأطراف المعنية “، أو الوساطة وتعني تدخل طرف خارج، وله المشاركة في المفاوضات وتقديم اقتراحات للحل غير ملزمة” ، أما ما سوى ذلك فيتم رفعه لرؤساء الدول والحكومات للدول الثلاث لاتخاذ ما يلزم.

الثاني، أنه كان يمكن النص على الوسائل القانونية للتسوية مثل التحكيم والقضاء الدولي ولكن لم يتم النص عليها لرفض إثيوبيا المسبق لذلك. ومعنى هذا أنه لن يتم اللجوء للتحكيم أو القضاء الدولي رغم أنهما إحدى الأدوات التي نصت عليها المادة 33 من اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997الخاصة بالاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية، والتي استند اليها إعلان المبادئ في معظم بنوده، لكن يبدو أن اثيوبيا سعت لإفراغ بعض هذه الاتفاقية الدولية من مضمونها أو تحويرها بما يتوافق مع أهدافها، وللأسف وافقت مصر على ذلك. معنى هذا أن حلول الأزمة ستبقى رهينة بالجهود الدبلوماسية فقط. فلن تتمكن مصر وفق بنود اتفاق المبادئ من اللجوء إلى الوساطة أو التحكيم الدولي أو طلب التدخل من الاتحاد الإفريقي أو مجلس الأمن أو محكمة العدل الدولية لعدم النص على ذلك في الاتفاق الكارثي، وإذا حدث بعد جهود مضنية فلن يكون قراراها إلزاميا.

معنى ذلك أن انقلاب الجنرال عبدالفتاح السيسي على الرئيس المنتخب الشهيد الدكتور محمد مرسي والمسار الديمقراطي الوليد بعد ثورة 25 يناير 2011م،  أضعف الموقف المصري  بشكل عام وفي أزمة سد النهضة مع أثيوبيا بشكل خاص؛ حيث جرى تعليق عضوية مصر في الإتحاد الإفريقي بسبب انتزاع السلطة بشكل غير دستوري "انقلاب عسكري"، وهو الإجراء الذي وظفته أديس أبابا لصالحها لاحقا؛ حيث ساومت السيسي وابتزته ليعترف بالسد مقابل الاعتراف بشرعية انقلابه من جانب الاتحاد الإفريقي وعودة مصر إلى الاتحاد مرة أخرى. وهو ما جرى بالفعل؛ ما يبرهن على أن السيسي منح الأولية لأطماعه في السلطة على حساب مصر وشعبها وحقوقها المائية.