“29” يناير.. ذكرى الغزو «الوهمي» الذي تعرضت له مصر أثناء الثورة!!

- ‎فيتقارير

في يوم (السبت 29 يناير 2011م)، فوجئ عشرات الآلاف من نزلاء السجون المصرية بأن الشرطة هي التي تفتح لهم أبواب العنابر والزنازين وتحضهم على الهروب!.. 

وهناك عدة أدلة دامغة على تورط الداخلية في فتح السجون لإثارة الفوضى وتمهيد المشهد لاتخاذ قرارات قمعية:

أولا،  مقاطع فيديو  توثق الأحداث جمعتها صحيفة "العربي الجديد" اللندنية، في تقرير لها بعنوان: «من أمر بفتح السجون؟» والمنشور في ديسمبر 2014م، ومنها مقطع فيديو للإعلامي حافظ الميرازي على قناة "دريم2" الفضائية، إذ تلقّى الميرازي اتصالاً هاتفياً من مفتش مباحث المنيا أثناء الثورة، قص عليه حقيقة من اقتحم السجون، من خلال قصِّه لما رآه بأم عينيه.  حيث أكد المقدم عمرو الدردير أن اللواء محسن مراد المسؤول عن السجن وقتها  ــ وتم تعيينه محافظاً للقاهرة بعدها ــ رفض استدعاء الأمن المركزي ليمنع السجناء من الهرب، وتواطأ للسماح للسجناء بالهرب، وقد شاركه لواءات كبار في هذا التواطؤ، حسب رواية مقدم الداخلية؟ وأكد هذا الأخير أنه عوقب بالإيقاف عن العمل لعدم سماحه للسجناء بالهرب. وفيديو آخر لأحد أركان مبارك، وهو السياسي مصطفى الفقي، في لقاء سابق مع عمرو أديب، أكد فيه أن سيناريو فتح السجون والفوضى التي حدثت مع ثورة يناير، كان معداً مسبقاً لتنفيذه من قبل جمال مبارك في حالة الوفاة المفاجئة لوالده. ولكن تم تنفيذه مع ثورة يناير بالخطأ، حيث يبرز جمال كالمنقذ الذي يدرك الناس من خطر الإخوان والفوضى التي تحدث، ما يدفع الناس لمناداة المنقذ جمال مبارك لإنقاذ البلاد من الفوضى التي تحدق بها، وهو ما يؤكد وقوف النظام خلف سيناريو فتح السجون حسب رواية أحد المقربين منه.

ثانيا، من أخطر الفيديوهات التي تعصف بسردية نظام السيسي، مداخلة على قناة "أون تي في" مع منال البطران شقيقة اللواء محمد البطران، مساعد وزير الداخلية الراحل ورئيس مباحث السجون، مع الإعلامي يسري فودة، أكدت فيه أن الداخلية هي من قتلت أخاها الذي كان المسؤول الأول عن السجون في مصر، حين أصر على رفض السيناريو الذي حاولت القيادات الكبرى تمريره من فتح السجون. وحين تصدى البطران بنفسه لهذا المخطط في سجن القطا بالفيوم، وذكرت بالاسم من أطلق النار عليه من الداخلية وهو الرائد جهاد حلاوة بأمر من العقيد عصام البصراطي مأمور سجن الفيوم. وأكدت شقيقة البطران أن النيابة لم تهتم وتجاهلت التحقيق في مقتل شقيقها، وتواطأت لطمس حقيقة مقتل اللواء الذي يعتبر مقتله الصندوق الأسود لكشف أحداث ثورة يناير. وكشفت النقاب عن المتورط الحقيقي في مقتله وهي الداخلية حسب روايتها، وهو ما يكشف صراحة من يقف حقيقة وراء مخطط فتح السجون. أما أكذوبة اقتحام الحدود في سردية تقوم على الخيال غير المبدع لنظام لا يجيد سوى القمع والإرهاب.

 

رواية الغزو الوهمي!

بعد ستة شهور من الانقلاب العسكري،  ظهرت رواية الغزو الوهمي الذي تعرضت له مصر في هذا اليوم!  وتزعم هذه الرواية ــ وهي القضية التي حملت رقم  56460 /2013 جنايات أول مدينة نصر، والمقيدة برقم 2926 لسنة 2013 كلى شرق القاهرة والمعروفة إعلاميا بـ"اقتحام الحدود الشرقية" ــ  أن نحو 800 مسلح غزو مصر من الجهة الشمالية الشرقية مع قطاع غزة، بعرباتهم نحو 200 سيارة، وأسلحتهم الثقيلة ودخلوا بعمق نحو 300 كم من الحدود الشرقية ثم عادوا مرة ثانية بعد ارتكابهم عدة جرائم منها حرق 160 من أقسام الشرطة، واقتحام السجون وتهريب آلاف السجناء،  وخرجوا مرة أخرى!!

كيف حدث ذلك دون أن يراهم أحد أو دون أن تصورهم قنوات الإعلام ودون أن يتعرض واحد منهم للقتل أو الإصابة أو القبض عليه أو إحراز مخلفات سلاح أو سيارة أو غيرها من آثارهم؟! هل القوات المسلحة وقيادتها لم تكن على علم بدخول هذه القوات الأجنبية حتى خروجها أم أنها علمت وعجزت عن مواجهتها وصدها؟ أم أنها تواطأت مع المسلحين الأجانب ضد سلامة أراضي ومنشآت الدولة؟!

كيف مرت 200 سيارة عليها أكثر من 800 أجنبي مسلح مدججين بالأسلحة فوق كبري السلام وقناة السويس دون أن يتعرض لهم الطيران المصري بالقصف أو قوات الجيش الثاني الميداني بالاشتباك المتبادل؟! كيف لم يتم توثيق فضائي أو عسكري أو سياسي أو حتى تحقيق صحفي في هذه الوقائع الخطيرة منذ 28 يناير 2011 حتى 3/1/2013، ثم ظهرت هذه الاتهامات فجأة بعد الانقلاب"الانقلاب العسكري"؟ّ!

هل قامت الخارجية المصرية بإبلاغ المؤسسات الدولية بوقوع هذا العدوان – من منظمات رسمية تنتمي لدول شقيقة قريبة (وتشارك في السلطة فيها – حزب الله، الحرس الثوري، حماس)؟ وهل طالبت الخارجية المصرية بتسليم متهمين في تلك الأحداث؟! هل اعتبرت القيادة السياسية والعسكرية هذا الذي جرى في البلاد على يد تلك القوات الأجنبية المسلحة (من تدمير وحرق وإتلاف وتخريب وقتل وسيطرة) احتلالاً أجنبياً وعدواناً يحتم الرد عليه أم اعتبرته مجرد رحلة سياحية في أراضي الدولة على السلطات المصرية حمايتها وتأمينها وتيسير مهمتها؟! لماذا إذًا اعتبرت القيادة السياسية في مرحلة الانقلاب ما جرى في البلاد في 25 يناير ثورة تحتفل بها رسمياً وينص دستور"2014" على ذلك  بينما تلك الأحداث (المزعومة) تقطع بنكبة تستوجب تنكيس الأعلام بمناسبتها؟!!

الغريب في الأمر، أن جميع الشهود الزور بلا استثناء هم قيادات وضباط بالداخلية وبعضهم بالجيش، ودائما ما كانوا يتهربون من الإجابة على هذه الأسئلة ، وهيئة المحكمة  دائما ما أعطتهم الحق في رفض الإجابات متى شاءوا، بل كثيراً ما كانت هيئة المحكمة تبادر هي برفض توجيه السؤال لأسباب تراها!

في شهادة قائد الجيش الثاني الميداني اللواء محمد فريد حجازي، والذي وجَّه إليه المتهمون سؤالاً محدداً (هل نما إلى علمك بأي طريق دخول قوات أجنبية مسلحة البلاد في 28/1/2011 وارتكابها داخل البلد وفي أعماق أرضها ما من شأنه المساس بسيادة الدولة وسلامة أراضيها؟!) فأجاب باقتضاب وصرامة: لم أعلم ولم أبلَّغ بذلك، لكن المحكمة لم تلتفت لشهادة المسؤول الميداني العسكري الأول في ميدان الأحداث المزعومة، وأكدت اطمئنانها التام للتحريات المكتبية للأمن الوطني والمخابرات العامة!.

هذه القضية الهزلية حكم فيها أولا بالإعدام على 9 من قيادات الجماعة حضويا و87 غيابيا ، وتم نقض الحكم لأنه وفقا لحيثيات المحكمة معيب وشابه قصور في التثبت وفساد في الاستدلال، وأكدت محكمة النقض أن تحريات الأمن الوطني والمخابرات العامة لا تصلح أن تكون دليلا كافيا بذاته، ولا تعتبر قرينةً مستقلة على ثبوت الاتهامات، ومن ثم قضت المحكمة بإعادة المحاكمة أمام دائرة أخرى. وفي النهاية تم الحكم في يوليو 2021م بالمؤبد على فضيلة المرشد العام الدكتور محمد بديع و10 آخرين من قيادات الإخوان والثورة على رأسهم الدكتور محمد سعد الكتاتني رئيس برلمان الثورة والدكتور محمد البلتاجي والمهندس سعد الحسيني وغيرهم.

هذا الحكم يمثل قمة المسخرة القضائية في مصر، ويمكن أن يضرب به المثل في التاريخ القضائي المصري وحتى على  المستوى العالمي كنموذج صارخ يكشف كيف يمكن أن يتحول القضاء إلى أداة توظفها السلطة المستبدة بشكل بالغ الظلم للانتقام من معارضيها السياسيين دون أي تهمة من الأساس؛  فالحكم الأخير يستند وفقط إلى التحريات الأمنية، ولم يثبت أن دليلا جديدا ظهر على مسرح المحاكمة يمكن اعتباره دليلا ماديا كافيا لإدانة هؤلاء الرموز الإسلامية والثورية. بل على العكس كل الأدلة تعصف برواية العسكر الركيكة وتبرهن على أن القضية من الألف إلى الياء هي مسرحية هزلية.