تزايدت معدلات حوادث الطرق مؤخرا بصورة مرعبة؛ فقد لقي 22 مصريا مصرعهم وأصيب 19 آخرون في حادثي تصادم مروعين الأحد 8 يناير الجاري؛ الأول على الطريق الدولي بجنوب سيناء بالقرب من مدينة الطور السياحية، وذلك إثر حادث تصادم بين سيارة ميكروباص وأتوبيس نقل عام، أسفر عن مقتل 16 مواطنا وإصابة 18 آخرين. والثاني بطريق جنيفة بمحافظة السويس، حيث لقى 6 أشخاص مصرعهم، تفحمت جثث عدد منهم، وأصيب طفل فى حادث تصادم 4 سيارات نقل مع نص نقل وسيارتين ملاكى، اشتعلت إحداهما.
ويأتي حادث طور سيناء قبل يومين فقط من انطلاق منتدى شباب العالم تحت رعاية الجنرال عبدالفتاح السيسي ( من 10 إلى 13 يناير 2022)، وأصدر محافظ جنوب سيناء، اللواء خالد فودة، قراراً بتشكيل غرفة عمليات ومتابعة للحادث، مع إخطار النيابة العامة لتولي التحقيق في ملابساته، علماً أنّ العديد من ضحايا الحادث كانوا في طريقهم إلى "منتدى شباب العالم" المقرّر انطلاقه الاثنين. وقال فودة، وهو صهر السيسي، إنّ مدينة شرم الشيخ على أتمّ استعداد لاستضافة "منتدى شباب العالم"، مضيفا أنه تفقّد أعمال الإنارة والتخطيط والتجميل بشوارع وطرق المدينة السياحية، بغرض تحفيز العاملين فيها، ورفع روحهم المعنوية، من خلال توزيع الوجبات الغذائية عليهم.
وكان مصريان قد لقيا مصرعهما، وأصيب 45 آخرون، في حادثين على طريق (العين السخنة – الجلالة)، الخميس، الأول تمثل في انقلاب "ميني باص"، وأسفر عن إصابة 45 شخصاً، والثاني في نفس التوقيت إثر انقلاب "ونش" من دون لوحات معدنية، وأسفر عن مصرع شخصين. وجاء ذلك عقب يوم واحد من وقوع حادث تصادم مروع على الطريق الدائري الأوسطي، أسفر عن تهشم واحتراق 11 سيارة، من بينها مقطورتان للنقل الثقيل، ومصرع مهندس شاب، وإصابة 8 آخرين. وأشارت النيابة في بيان لها إلى وجود "عيوب فنية" في الطريق الدائري الأوسطي، المنفذ بواسطة الهيئة الهندسية التابعة للجيش، تؤدي إلى تكرار الحوادث عليه، نتيجةَ حجب زاوية الرؤية في المنحنى الذي وقع عنده الحادث الأخير. وكان 19 مصريا قد لقوا مصرعهم في أكتوبر 2021م، في حادث دهس سيارة أجرة (ميكروباص) من قبل سيارة نقل ثقيل، أعلى الطريق الدائري الأوسطي بالقرب من مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة.
ولا يمر يوم دون وقوع عشرات من حوادث الطرق في مصر، حيث شهد العام الماضي وحده حوالي 8500 حادث، كما وصلت الوفيات بسببها لما يعادل 9 أشخاص من بين كل 100 ألف نسمة .. فما هي أسباب ارتفاع معدلات حوادث الطرق في مصر؟
وفقا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وصل عدد حوادث الطرق في مصر خلال عام 2018 إلى 8480 حادثا. وإن كان ذلك العدد صادما، فهو أقل مقارنة بعام 2017 حيث وصل العدد حينها لحوالي 11 ألف حادث. وبالرغم مما تشير إليه هذه الأرقام من انخفاض إيجابي بنسبة تصل لحوالي 20%، تظل حصيلة الضحايا مرتفعة يإجمالي 3.087 قتيل و11.803 مصابين.
ويعزو استشاري الطرق، دكتور أسامة عقيل، أسباب تزايد معدلات الحوادث في مصر إلى تهور سائقي سيارات الشاحنات (النقل الثقيل)، مشيرا إلى أن الشاحنات تشكل حوالي 20 % من إجمالي المركبات على الطرق، ويؤدي اختلاط تلك الشاحنات بالسيارات العادية على الطريق إلى ارتفاع إمكانيات وقوع الحوادث. فوفقا لعدة إحصائيات، 40% من حوادث الطرق في مصر أحد طرفيها شاحنة".
أما جهاز التعبئة والإحصاء فقد حصر الأسباب المؤدية لوقوع حوادث السير في العامل البشري بالدرجة الأولى حيث قدر نسبة الحوادث التي وقعت بسبب أخطاء بشرية بـ 75.7%، بينما تسببت الأعطال الفنية في 17.1% من إجمال الحوادث، أما حالة الطرق وصيانتها فأدت إلى وقوع 2.9% فقط من الحوادث. وهو تقرير استهدف منه تبرئة شبكة الطرق وما بها من عيوب في تزايد معدلات الحوادث. إلا أن استشاري الطرق، دكتور أسامة عقيل، وصف فهم أسباب وقوع حوادث الطرق في مصر بكونه "خاطئا" لرفضه تحميل العنصر البشري وحده المسؤولية كاملة ويضيف: "أي حادث يقع لعدة عوامل مجتمعة لابد من دراستها بشكل علمي، فعلى سبيل المثال، عند القول بأن حادثا ما وقع بسبب تجاوز السرعة، فلماذا وقع مع قائد تلك السيارة بالتحديد دون غيره من السيارات المتجاوزة للسرعة؟ فعند توفير كل عوامل سلامة الطرق، حينها فقط يمكننا أن نحمل السائق المسؤولية كاملة".
الحاجة لمنظومة إدارة حديثة
وفقا لتقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية، نقلا عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارة الداخلية المصرية، وصلت نسبة الوفيات إثر حوادث الطرق ما يعادل 9 أشخاص من بين كل 100 ألف نسمة، بينما في دولة مثل ألمانيا، قريبة من مصر من حيث الحجم وإجمالي عدد السكان، وصلت نسبة الوفيات إثر حوادث الطرق بها إلى 4 أشخاص من بين كل 100 ألف نسمة.
بحسب مراقبين فإن من أسباب تزايد معدلات الحوادث هو أن جزءا كبيرا من الطرق السريعة في مصر يخترق التجمعات العمرانية والمناطق السكنية، كما يعاني جزء آخر من الطرق من عدم تقسيمه لحارتين متقابلتين بما يعد من الأسباب الأساسية لوقوع الحوادث، إلا أن إخراج الطرق السريعة من داخل كافة المدن المصرية وتوسيع الطرق القديمة بما قد يتطلب نزع ملكية الأفراد لبعض الأراضي يحتاجان لكثير من العمل والوقت".
وكانت وزيرة التخطيط هالة السعبد قد ربطت في تصريحات سابقة لها بين شبكة الطرق والجسور الجديدة في مصر وبين انخفاض حوادث السير والوفيات الناجمة عنها. وقالت "إن الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق انخفضت من 12 ألفاً في عام 2019 إلى سبعة آلاف في عام 2020، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسة 41.6 في المئة"، مشيرة إلى "أن الاستثمارات في الطرق والجسور بلغت 14 مليار جنيه (نحو 891 مليون دولار) عام 2018 لترتفع إلى 26 مليار جنيه (مليار و665 مليون دولار) في 2019، ثم إلى نحو 28 مليار جنيه (نحو مليار و782 مليون دولار) في 2020، مشيرة إلى أن هذه المليارات أسهمت في خفض الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق.
لكن أسامة عقيل يرى أن مصر تفتقد لوجود إجراءات موحدة معتمدة من كافة الجهات للتعامل مع حوادث الطرق ويقول: "في حالة انحراف السيارة وسقوطها في المياه، على سبيل المثال، يذكر التقرير الطبي الغرق كسبب للوفاة ولا يتم تسجيل الحالة كحادث مروري، أي أن التسجيل يقع بشكل طبي غير إجرائي لانعدام القواعد التي تنظم التعامل مع هذا النوع من الحوادث في مصر". ويؤدي غياب الإجراءات الموحدة في التعامل مع ذلك النوع من الحوادث، وما يتسبب فيه لاحقا من تقارير طبية تخلو من تسجيل حادث الطرق كسبب للوفاة في كثير من الحالات، في عدم حصول أسر بعض هؤلاء الضحايا والمصابين على تعويضات مالية وعدم تلقي مرتكب الحادث أو المتسبب فيه أحيانا للعقوبة المناسبة.
وارتفع عدد حوادث السيارات على الطرق في مصر خلال عام 2019 ليبلغ 9992 حادث، مقابل 8480 حادث عام 2018 بنسبة زيادة بلغت 17.8%. وأصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، النشرة السنوية لحوادث السيارات والقطارات عام 2019. وبحسب النشرة، بلغ عدد القتلى نتيجة حوادث السيارات خلال عام 2019 عدد 3484 شخصًا، مقابل 3087 شخصا خلال عام 2018 بنسبة زيادة بلغت 12.9%. وارتفع معدل حوادث السيارات إلى 27.4 حادثاً يوميا خلال عام 2019، مقابل 23.2 حادثاً يوميا في عام 2018. وذكر الجهاز أن السبب الرئيسي لحوادث السيارات كان العنصر البشرى حيث بلغت نسبته 79.7%، يليه عيوب فنية في المركبة بنسبة 13.5% من إجمالي أسباب الحوادث على الطرق عام 2019
40 مليار جنيه تكلفة
كان تقرير لوزارة النقل والمواصلات في مصر، نشرته الصحف المصرية قد كشف أن تكلفة حوادث الطرق والمرور في مصر تخطت حاجز 40 مليار جنيه (2.5 مليار دولار) عام 2017.بحسب دراسة أصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن “التكلفة الاقتصادية لحوادث الطرق في مصر عام 2017”.
وفي مايو 2014 قال السيسي في حوار تليفزيوني: ” هعمل لك شبكة طرق في خلال سنة تمسك مصر كده”. ويعتبر السيسي مشروعات الطرق الجديدة أحد المشروعات القومية الكبرى التي يقوم بتنفيذها في مصر. وكان وزير النقل الفريق كامل الوزير قال في تصريحات سابقة بحضور عبد الفتاح السيسي، إن تكلفة مشروعات الطرق والكباري التي تم إنشاؤها بلغت 175 مليار جنيه (11.9 مليار دولار).