المتابع لبيانات وتصريحات حكومة الانقلاب حول أوضاع الاقتصاد المصري، يكتشف أن هذه الحكومة مصابة بما يمكن تسميته "شيزوفرينيا المؤشرات والأرقام"؛ حيث تعلن بدون مواربة وبدون خجل أن الاقتصاد المصري يتربّع على عرش خارطة النمو في العالم، رغم التداعيات السلبية لجائحة فيروس كورونا، بل تزعم أن هناك تفاؤلا واضحا لدى كيانات التقييم الاقتصادي والمالي بالنسبة لمستقبل الاقتصاد المصري، وأن السيسي حقق إنجازات لم تشهدها مصر في تاريخها .
في الجهة المقابلة يتجرّع المواطن كؤوس البؤس والفقر والتهميش والتعذيب، ويعيش نحو 70 مليونا من المصريين تحت خط الفقر، وكانت الأعوام الماضية، منذ انقلاب عبد الفتاح السيسي على أول رئيس مدني منتخب في التاريخ المصري الشهيد محمد مرسي ، قد شهدت عشرات الوعود بتحسُّن الوضع الاقتصادي للبلاد، ففي عام 2015 الذي أطلق عليه السيسي "عام الرخاء" ومع عدم تحقق الرخاء المزعوم طالب السيسي الشعب بالصبر لمدة عامين في عام 2016، تأجّل هذا الوعد إلى عام 2017 ثم طلب 6 أشهر إضافية، وهكذا في عامَي 2018 و2019، حتى وصل إلى عام 2020 حين زعم السيسي أن مصر ستصبح بنهاية يونيو من هذا العام "حاجة تانية خالص".
هذه الوعود الكاذبة لم تحرك المياه الراكدة في نهر الاقتصاد المتجمد، ليزداد الوضع تأزُّما عاما تلو الآخر، في ظل استمرارية السياسات المتّبعة، والتي من المتوقع أن تدفع البلاد ثمنها لعشرات السنين القادمة.
التقرير التالي يستعرض حزمة مؤشرات، أبرزها زيادة معدلات البطالة ونسب الفقر وتراجع المدخرات وتفاقم حجم الديون وموجة إلغاء الدعم واستنزاف جيوب المواطن، وهو ما يكشف حقيقة الأوضاع الاقتصادية في مصر، كما يكشف أكاذيب السيسي التي لا تتوقف.
الدين الخارجي
الأرقام الصادرة عن الجهات المالية تكشف عن صورة أكثر قتامة، تتصدرها الطفرة الهائلة في حجم الدين الخارجي، الذي زاد بنسبة 193% خلال سنوات السيسي بل تستحوذ مصر على 34% من إجمالي ديون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال عام 2019 حسب تقرير البنك الدولي، إذ تشير الإحصاءات الرسمية إلى بلوغ الدَّين الخارجي حتى نهاية يونيو الماضي، 137.9 مليار دولار، مع إضافة 3 مليارات دولار قيمة سندات دولية في سبتمبر المنقضي، ومثلهم وديعة سعودية في البنك المركزي المصري خلال أكتوبر الماضي، بخلاف 40 مليار دولار قيمة فوائد هذا الدين، بما يعني أن الرقم الفعلي للدين الخارجي بفوائده قد يصل إلى 203 مليارات دولار.
هذا الحجم غير المسبوق من الديون التهم الجزء الأعظم من الموازنة السنوية المخصصة لتلبية حاجات الشعب والإنفاق عليه، حيث أظهرت بيانات وزارة مالية الانقلاب أن فوائد الديون والأقساط التهمت أكثر من 80% من الإيرادات العامة للدولة خلال العام المالي الماضي.
حيث كان مطلوبا من حكومة الانقلاب بنهاية العام الماضي سداد نحو 12.062 مليار دولار، تمثل ديونا خارجية قصيرة الأجل، منها نحو 11.958 مليار دولار أصل الدَّين، بالإضافة إلى فوائد بنحو 103.76 ملايين دولار وهكذا منذ اللحظة الأولى للانقلاب اتخذت حكومات السيسي المتعاقبة من جيب المواطن موردها الأول لسداد ضريبة سياسات الاقتراض التي اتبعتها طوال السنوات الماضية.
المدخرات
المؤشر الثاني يشير إلى أن مدخرات المصريين في عهد السيسي تراجعت بشكل كبير، فخلال الفترة 2014-2020 لم تتجاوز نسبة الادخار للناتج المحلي 10% في أحسن الأحوال، باستثناء عام واحد هو العام المالي 2018-2019، وفق بيانات التقرير المالي الشهري لوزارة مالية الانقلاب في يونيو2021.
يذكر أن معدلات الادخار في فترة 2005-2010 إبّان عهد المخلوع مبارك لم تقل عن 12.6%، بل وصلت في بعض الأحيان إلى أكثر من 17% من إجمالي الناتج المحلي، وهو أعلى من أفضل سنوات انقلاب السيسي التي لم تتجاوز 10%، ما يشير إلى مستوى دخول المواطنين خلال تلك الفترة.
الفقر
مؤشرات الفقر تضرب ادعاءات التصريحات الانقلابية، حيث بلغ معدل الفقر في مصر 29.7% في السنة المالية 2019-2020، ورغم تراجعه عن معدل السنة المالية 2018-2019 حيث كان 32.5%، إلا أن هذا التحسن المزعوم لم يظهر بأي صورة من الصور على معدلات الادخار.
الاقتراب من نقطة 30% كمؤشر للفقر يضع 30 مليون مواطن تحت مستوى دولار في اليوم الواحد، مع العلم بأن معدلات الفقر قبل عام 2014 لم تتجاوز 25%، مقارنة بما كانت عليه خلال عام 2000 حين لم تتجاوز 16.7%.
هذا على صعيد البيانات الانقلابية، أما البنك الدولي فقد أكد في بيانات رسمية أن 60% من الشعب المصري يعيشون تحت خط الفقر، وقد أضافت جائحة كورونا إلى هؤلاء نحو 12 مليونا آخرين، ما يعني أن إجمالي المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر في زمن الانقلاب قد وصل إلى 72 مليونا .
جيوب المواطنين
هذه المؤشرات الكارثية انعكست على جيوب المواطنين، حيث أفرغتها مما تحتويه من أموال، سائلة كانت أو مجمدة، فمنذ اللحظة الأولى لانقلاب السيسي اتخذت حكوماته المتعاقبة من جيب المواطن موردها الأول لسداد ضريبة سياسات الاقتراض التي اتبعتها طيلة السنوات الماضية.
ويكفي للوقوف على حجم الأموال المحصلة من المواطنين المقارنة بين معدل عوائد الضرائب قبل انقلاب السيسي ونسبتها اليوم، حيث ارتفعت حصيلة الضرائب من 305.9 مليارات جنيه عام 2015 إلى 983 مليار جنيه في موازنة 2021-2022، وهو ما يعني زيادة في الإيرادات بنحو 678 مليار جنيه، تُشكل أكثر من 90% من موارد الدخل القومي للبلاد.
تلك القفزة الكبيرة في الضرائب تحققت من خلال الروشتة المقدمة من صندوق النقد الدولي، والتي تعتمد على إلغاء الدعم تدريجيا وصولا إلى تصفيره، يرافقها موجات متتالية من زيادة الأسعار وفرض الرسوم والأعباء المادية، ما كان له أثره الكارثي على معدلات التضخم وتفشي البطالة وتخلي السواد الأعظم من المواطنين عن مستلزمات الحياة العادية.
رسوم إجبارية
استنزاف جيوب المواطنين لم يتوقف عند رفع سعر الخدمات والسلع فقط، بل منافسة الشعب في ممتلكاته الخاصة، وهو ما ظهر مع بعض القوانين المستحدثة أبرزها فرض رسوم إجبارية على العقارات فيما يعرف بمصالحات البناء، بزعم عدم ترخيصها رغم الاعتراف بها منذ سنوات عبر تزويدها بالمرافق العامة من مياه وكهرباء وعوائد سنوية، وتكشف الإحصاءات الرسمية أن حكومة الانقلاب حصّلت بنهاية يونيو الماضي 18 مليار جنيه تحت بند المصالحات.
وبينما يرفع السيسي شعار التشاركية في الاستثمار، وتشجيع القطاع الخاص الذي يعمل به النسبة الأكبر من الأيدي العاملة ، يهيمن الجيش على الاقتصاد المدني عبر إنشاء الكيانات الاقتصادية في الأنشطة المختلفة، أو استحواذ وزارة الإنتاج الحربي على مجال التوريدات وتنفيذ المشاريع المختلفة داخل الوزارات والمؤسسات العامة، ما أزاح القطاع الخاص من مجال الاستفادة من ثمار النمو الاقتصادي، ودفع بالملايين من الشباب إلى طابور البطالة، مع الوضع في الاعتبار سرية البيانات الخاصة بمنظومة المؤسسة العسكرية الاقتصادية، والتي لا يمكن لأي جهة أيا كانت الاطلاع على أرقامها الصحيحة.