بين العيني والنقدي.. قراءة في توجهات رفع الدعم عن منظومة الخبز

- ‎فيتقارير

التصريحات التي أدلى وزير التموين بحكومة الانقلاب علي المصيلحي مساء السبت غرة يناير 2022، أثارت كثيرا من المخاوف لدى قطاعات واسعة من فئات الشعب؛ ذلك أن الوزير قال إن هناك مسارين بشأن منظومة دعم الخبز: "الأول هو التحول إلى الدعم النقدي المشروط مع تحرير أسعار القمح والدقيق، والثاني رفع سعر رغيف الخبز تدريجياً مع تحديد الفئات الأكثر احتياجاً"، لافتاً إلى أن "الأمور سوف تتضح بصورة أفضل في مارس المقبل، التزامن مع وضع الميزانية الجديدة للدولة للعام 2022-2023".

الوزير من جانبه، أعرب عن تفضيله للدعم النقدي المشروط ووصفه بالأكثر كفاءة من الدعم العيني، لافتا إلى أن الدولة درست اختيارات دعم الخبز، وستتخذ قرارها بعد انتهاء عملية ضبط المنظومة التموينية، من خلال لجنة عليا لدراسة الدعم تضم في عضويتها جميع الجهات المعنية، برئاسة رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، بغرض تقسيم المجتمع إلى فئات بعد استكمال بيانات المواطنين. وأضاف المصيلحي أن "جميع برامج الدولة في الإسكان والصحة والتضامن الاجتماعي تحولت إلى الدعم النقدي المشروط مثل تكافل وكرامة، ودعم السلع التموينية المحدد بـ50 جنيهاً لأول 4 أفراد في البطاقة، و25 جنيها لأكثر من ذلك، عدا الخبز الذي لا يزال يقدم في صورة دعم عيني".

تصريحات الوزير تبرهن على أن نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي،  يتجه نحو رفع الدعم عن الخبز بشكل تدريجي خلال السنة الجارية "2022"؛ حيث أعلنت وزارة التموين بحكومة الانقلاب عن ذلك بحلول العام المالي (2022/2023) أي بداية من يوليو المقبل. وذلك عن طريق تحويل الدعم العيني (يحصل المواطن على 5 أرغفة يوميا بقيمة 5 قروش للرغيف الواحد) إلى دعم نقدي مشروط للمستحقين فقط بدعوى أن سعر تكلفة الرغيف الواحد بشكل فعلي تبلغ 65 قرشا.

وفي تبريره لهذه الخطوة المرتقبة، أشار وزير التموين إلى أن الدولة تدعم القمح والدقيق للوصول إلى المواطنين بالسعر الحالي، وهو الدعم الذي يعاني من بعض الفاقد"، مستطرداً "المواطن لا يعرف القيمة الحقيقية للسلعة التي يحصل عليها من خلال الدعم العيني، وسعر القمح المحلي ارتفع بقيمة 100 جنيه للأردب، و660 جنيهاً في الطن، من دون أن تنعكس هذه الزيادة على سعر رغيف الخبز المدعوم".

ويزعم المصيلحي أن "الهدف من ضبط منظومة الخبز هو رفع كفاءة المنظومة بتحديد الفئات الأكثر احتياجاً لتعويضها"، مستدركاً بأن "قرار التحول من الدعم العيني للخبز إلى النقدي المشروط ليس نهائياً بعد، ويخضع للدراسة مع الجهات ذات الصلة، ومن بينها مجلسا النواب والشيوخ (البرلمان)".

https://www.youtube.com/watch?v=n8Nt7pesrAU

الملاحظة الأولى أن تصريحات الوزير تتسق مع توجهات السسيسي؛ حيث كان قد صرح في أغسطس 2021م خلال افتتاح مصنع غذائي مملوك للجيش عن رفع أسعار الخبز المدعوم، لكنه أرجأ قراره  بعد تقديرات موقف رفعتها أجهزته الأمنية أكدت خطورة هذه الخطوة على الحالة الأمنية في البلاد؛ وتم إرجاء القرار بهدف "احتواء حالة الرفض الشعبي للقرار حينها، وهو ما ظهر بوضوح عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومنع امتدادها إلى الشارع، باعتبار أن الخبز هو السلعة الأهم للملايين من المواطنين البسطاء الذين يعتبرونه مكوناً رئيسياً في وجباتهم الغذائية". في ذات الوقت، صدرت تعليمات لوسائل الإعلام الموالية للنظام بالتمهيد لبرنامج حكومي موسع لإعادة هيكلة دعم منظومة الخبز، مع عدم التركيز على زيادة سعر الرغيف كقرار منفصل. ويرتكز ذلك على تقديم مبررات مبكرة لأي حركة مستقبلية في سعر الرغيف بعد تنفيذ المنظومة الجديدة للربط بين نقاط الخبز، ونقاط السلع التموينية الأخرى.

الملاحظة الثانية، أن الدعم النقدي بالفعل أكثر كفاءة  ويجعل الدعم يصل إلى مستحقيه لأن الدعم في هذه الحالة سيصل مباشرة من الدولة إلى المواطن دون وسطاء (وزارة التموين ــ المخابز ــ منافذ توزيع الدعم) وهي شبكات ومافياوات تلتهم كثيرا من الدعم. لكن لا بد أن يكون الدعم النقدي مشروطا من خلال ربطه بالتضخم والأسعار؛ يزيد بزيادة التضخم وارتفاع الأسعار، ويقل بانخفاض التضخم والأسعار. لأن الدعم النقدي قد يستغله النظام من أجل تثبيت قيمة الدعم (نقود) في ظل ارتفاع الأسعار؛ وبذلك يكون المواطن الفقير المستحق للدعم هو الخاسر الأكبر في ظل تآكل قيمة النقود وجنون أسعار السلع.

الملاحظة الثالثة، أن السيسي في الوقت الذي يصر فيه على رفع الدعم وخفض مخصصاته في الموازنة العامة للدولة وهو ما يؤدي تلقائيا إلى زيادة معدلات الفقر وسحق الطبقات الفقيرة والمهمشة، نراه في مواضع أخرى شديد الحرص زيادة مخصصات المشروعات الخاصة به كالعاصمة الإدارية الجديدة وغيرها وهي مشروعات لا  تحظى بأي تأييد شعبي؛ لأنها لا يستفيد منها رغم النفقات الباهظة سوى حفنة قليلة من المقربين من النظام، بينما لم تحقق جميع مشروعات السيسي دون استثناء أي جدوى أو منفعة مباشرة للمصريين الذين يئن معظمهم من الفقر والجوع.

الملاحظة الرابعة،  هي استمرار الحكومة في ترويج الكثير من الأكاذيب والمغالطات؛ والأكذوبة الكبرى في هذا الشأن تتعلق بتصريحات الحكومة بأن التكلفة الفعلية لرغيف الخبز المدعم زنة 90 جراما تبلغ 65 قرشا، وهو السعر الذي أقرته الحكومة في موازنة العامين الماضيين، لكن هناك عدة أدلة على كذب الحكومة:

  • أولا، أن الرغيف السياحي الأفضل جودة والمصنوع من الدقيق استخراج 72% يباع بسعر 50 قرشا تشمل ربح المخبز وربح البائع السريح الذى يبيعه فى الشارع. فكيف تكون تكلفة الرغيف المدعوم المصنوع من الدقيق استخراج 82% أى الأقل جودة 65 قرشا؟
  • ثانيا،  فى الوقت نفسه فإن العديد من الأفران التى تبيع الخبز المدعم لأصحاب بطاقات الدعم بخمسة قروش للرغيف، تبيعه بخمسين قرشا لمن لا يحمل بطاقة.
  • ثالثا، إذا كانت مخصصات دعم رغيف الخبز فى ميزانية العام المالى الحالي (2021/2022) تبلغ حوالى 87 ملياراً و222 مليون جنيه، منها 51 مليارا لدعم منظومة الخبز التي يستفيد منها نحو 72 مليون مواطن وفقا للأرقام الرسمية، بخلاف 36 مليارا لدعم السلع. معنى ذلك أن دعم المواطن من الخبز سنويا (51 مليارا ÷ 72 مليون مواطن) تقدر بنحو (708 جنيهات سنويا ــ و59 جنيها شهريا ـ وأقل من جنيهين يوميا)!! معنى ذلك أن السعر الحقيقي لرغيف الخبز هو (40 قرشا فقط) وليس 65 قرشا كما تزعم الحكومة وذلك وفقا للأرقام الرسمية في الموازنة العامة للدولة.

يشار إلى أن عدد بطاقات التموين في مصر نحو 23 مليون بطاقة، يستفيد منها قرابة 64 مليون مصري من مجموع عدد سكان مصر البالغ نحو 103 مليون نسمة. وتبلغ فاتورة دعم السلع الغذائية في مصر 87.2 مليار جنيه مصري (ما يعادل نحو 5.5 مليار دولار) طبقا لموازنة العام المالي الحالي 2022/2021، منها 50 مليار جنيه لدعم الخبز و37 مليار جنيه لدعم السلع التموينية. وتشير الإحصاءات الرسمية المصرية إلى أن نحو 72 مليون مصري يستفيدون من دعم الخبز.