في الوقت الذي تؤكد كافة التقارير الدولية حجم البذخ والرفاهية التي يعيشها السيسي ونظامه في أفخم القصور الرئاسية منذ استيلائه على السلطة في 2014، والطائرات الرئاسية التي تفوق تكاليفها أكثر من مليار دولار، علاوة على الإنفاق البذخي على مشاريع الأغنياء في العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة وبينهما قطار سريع يتكلف أكثر من 24 مليار دولار؛ يبخل السيسي ونظامه العسكري على المواطن المصري بجنيهات الدعم الشحيحة أساسا التي يتم تقليصها بشكل مستمر. ويهاجم رغيف الخبز المدعوم الذي بات مستحقوه هم أعداء السيسي الأساسيين، وصولا إلى الفلاح البسيط الذي يكابد في زراعة أرضه وسط أزمات متصاعدة من المياه الشحيحة وغلاء الأسعار وارتفاع أسعار التقاوي والبذور والأسمدة وأسعار الميكنة الزراعية، وسط ذلك يطالب السيسي حكومته بإلغاء الدعم العيني عن الفلاحين، فيما يخص الأسمدة وتحويله إلى دعم نقدي، بداعي مكافحة الفساد، وهو ما يراه خبراء بأنه كارثة تنتظر الزراعة المصرية، في ظل توحش عسكري فيما يخص قانون الري الجديد، الذي يفرض رسوما باهظة على أعمال الري والزراعة ، بفرض 5 آلاف جنيه لتشغيل ماكينة الري، وأي أعمال ري أو ميكنة زراعية.
ودعا السيسي إلى تحويل الدعم العيني الموجه للفلاحين إلى نقدي، حيث تدعم الدولة بعض مستلزمات الإنتاج الزراعي من أسمدة وبذور ومبيدات بسعر أقل من السوق.
وخاطب السيسي، خلال افتتاح مصنع اليوريا ونترات الأمونيا بمنطقة كيما بمحافظة أسوان، قبل يومين، المسؤولين قائلا "حاولوا تحولوا الدعم المقدم إلى فلوس، عايز أدي للفلاح دعم بشكارة ولا اثنتين أعطيها له دعما نقديا، علشان أمنع الفساد المحتمل في إدارة المنظومة اللي إحنا ماشيين فيها".
عديم الجدوى
تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي، يعني منح الفلاح نقودا تعادل قيمة الدعم العيني وتحرير سعر الأسمدة والمبيدات والتقاوي، ومع مرور الوقت ترتفع أسعارها ويبقى قيمة الدعم النقدي كما هو، ومرة تلو الأخرى يصبح الدعم النقدي عديم الجدوى، وفقا لمختصين.
ومن بين إحدى مفارقات موازنة الدولة في مصر فإن دعم المزارعين لم يتغير منذ 7 سنوات، ففي موازنة 2021-2022، يقدر بنحو 665 مليون جنيه فقط، وهو أقل بند في مخصصات الدعم، بينما بلغ في موازنة 2013/2014 أيضا 625.8 مليون جنيه، ولكنه كان يعادل نحو 90 مليون دولار، أي أن قيمة الدعم انخفضت إلى النصف.
وفي نوفمبر الماضي؛ قررت وزارة الزراعة بحكومة الانقلاب زيادة أسعار الأسمدة المدعمة إلي 4500 بدلا من 3290 بزيادة نحو 1210 جنيهات في الطن بعد زيادة أسعار الغاز الطبيعي على مصانع الأسمدة، وارتفع سعر شيكارة سماد اليوريا والنترات على الفلاح مجددا من 160 جنيها نحو إلى 255 جنيها.
يشار إلى أن سعر طن الأسمدة قبل عام 2014 كان 1500 جنيه فقط، ثم ارتفع إلى 2000 جنيه ثم إلى نحو 2900 جنيه ثم نحو 3300 ثم 4500 جنيه، وارتفع سعر الشيكارة من 75 جنيها إلى 255 جنيها.
وقال نقيب الفلاحين حسين عبد الرحمن أبوصدام حينها إن "ارتفاع أسعار الأسمدة سيزيد الأعباء على المزارعين، داعيا الحكومة إلى توفير باقي المستلزمات الزراعية بأسعار معقولة وكميات كافية وشراء المحاصيل الزراعية من الفلاحين بهامش ربح مُرضٍ، يواكب هذا الارتفاع في أسعار الأسمدة والمستلزمات الزراعية الأخرى، وتشديد الرقابة علي السوق الحر لبيع الأسمدة بالأسعار المقررة".
الإضرار بالفلاحين
فيما يشير الخبير الزراعي الدكتور عبد التواب بركات إن "تحويل الدعم العيني، والذي يعني تقديم الأسمدة وغيرها من مدخلات الإنتاج بسعر يقل عن سعرها الحقيقي في السوق المحلي أو السوق الدولية إلى نقدي، بمعنى أن تقدم الدولة جزءا من ثمن الأسمدة أو غيرها من مدخلات الإنتاج نقدا في يد المزارع، في مقابل تحرير السعر وبيع السلع في السوق المحلي بسعرها الحقيقي أو بسعرها في السوق الدولية".
معتبرا التحول إلى الدعم النقدي للأسمدة في مصر سوف يضر بمصلحة الفلاحين؛ لأن التضخم سيأكل قيمة الدعم النقدي، كما حدث في منظومة البطاقات التموينية، حيث تقدم الدولة 50 جنيها للفرد، ثم حررت قيمة السلع الغذائية حتى زادت أسعارها عن الأسعار العالمية وفقدت الخمسين جنيه قيمتها وقلت كمية السلع التموينية التي كان يحصل عليها المواطن في ظل الدعم العيني الذي كان معمولا به قبل الانقلاب إلى النصف تقريبا.
ووفق أرقام الموازنة المصرية، فإن الواقع يؤكد أنه لا يوجد أي شكل من أشكال الدعم المباشر والحقيقي للفلاحين في مصر، ولو عدنا لميزانية مصر نجد هذا الرقم وهو 665 مليون جنيه، وهي موزعة 600 مليون دعم فرق سعر الفائدة لقروض الإنتاج النباتي كمستحقات للبنك الزراعي المصري و50 مليون جنيه مساهمة الدولة في تكاليف مقاومة آفات القطن، و15 مليون جنيه دعم صندوق الموازنة الزراعية.
أي أنه لا يوجد دعم للأسمدة أو غيرها، كل ما هناك أن الدولة تعطي الغاز لمصانع الأسمدة الحكومية وهي 8 مصانع بسعر منخفض مقابل توريد 55% من إنتاجها لوزارة الزراعة، إذن تحويل الدعم غير الموجود أصلا لدعم نقدي هو مجرد بيع الوهم للفلاحين الغلابة لا أكثر.
ومع تطبيق قرار السيسي ستنفلت أسعار الأسمدة ومستلزمات الإنتاج بصورة كبيرة يعجز عندها المزارعون عن زراعة أراضيهم، في ظل سياسات الحكومة العشوائية في عدم شراء المحاصيل من الفلاحين وتركهم ألعوبة بيد التجار والمستغلين، في ظل زيادة تكاليف الإنتاج، بل تصل الحكومة في إجرامها لفتح باب الاستيراد من السلع قبيل موعد حصاد المنتج المحلي بأيام، لضرب الأسعار في السوق المحلية، بل والسماح باستيراد محاصيل كالقمح والحبوب مُصابة بفطر الأرجوت بالمخالفة للدستور، لضرب أسعار القمح المحلي، الجودة العالية، ويبقى الفلاح المصري عرضة للأزمات التي تفقره وتضطره لبوار أراضيه.