بيان «داخلية الانقلاب» والانتهاكات ضد الدكتور عزت وقيادات الإخوان.. قراءة هامشية

- ‎فيتقارير

بيان وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب الصادر يوم الأحد 26 ديسمبر 2021م، والذي تنفي فيه الانتهاكات ضد الدكتور محمود عزت، نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، أثبت التهمة على النظام ولم ينفها؛ ذلك أن الانتهاكات داخل السجون والمعتقلات وأقسام الشرطة ومقار الأمن الوطني هي من المعلوم من سلوك النظام بالضرورة؛ ولا يوجد مصري واحد يجادل في هذه الحقيقة، فهم يرتكبون الجرائم الوحشية ثم يظهرون على شاشات التلفاز يمثلون دور الرحماء؛ خداعا للشعب وتضليلا للناس، لكن كل ذلك بات مكشوفا إلى الحد الذي لم تعد تنطلي فيه هذه المسرحيات والمشاهد المفتعلة على غالبية المصريين؛ فقد استبان الحق وانكشف الباطل، وبات كل فرد يعرف على وجه اليقين أين يقف وأين يضع قدميه، وإلى أي فريق يصطف وينحاز.

بيان الداخلية يثير كثيرا من التساؤلات حول السبب الذي دفع الوزارة لإصدار بيان مقتضب كهذا تنفي فيه جرائمها رغم أنهم يعلمون أنهم ينكرون الحق وهم يعلمون، فلماذا كل هذا التدليس؟ إذا كانوا صادقين حقا؛ فلماذا لا يسمحون للمعتقلين بحق الزيارة ومقابلة الأهل؟ ولماذا لا يسمحون لهم بالتريض وتلقي العلاج اللازم؟ ولماذا لا يسمحون لهم بإدخال الطعام كما تسمح بها لائحة السجون؟ ولماذا يمنعون تصوير المحاكمات إلا بإذن مسبق إما من المحكمة  أو الأمن الوطني؟!

على الأرجح فإن السبب في بيان الداخلية الهزيل، هو حالة التعاطف الشعبي الواسعة التي قوبلت بها كلمات الدكتور عزت خلال جلسات المحاكمة المسيسة الأسبوع الماضي، وهو المقطع الذي جرى تسريبه، وانتشر على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي شاكيا من سوء ظروف احتجازه داخل السجن، وتعرضه لسوء معاملة داخل محبسه؛ فمنذ 16 شهرا وهو معزول في زنزانة انفرادية، لا يسمح له مطلقا بلقاء أحد أو الحديث مع أحد، تفتح الزنزانة لثوان معدودات لاستلام الطعام ثم تغلق طوال اليوم. ولم يتلق بمحاميه وحتى أثناء اصطحابه للمحاكمة تم تعصيب عينيه حتى لا يرى الشارع!! فلماذا كل هذا التنكيل والإجرام؟ دعك من مخالفة ذلك لأحكام الإسلام، فإن النظام وأجهزته لا يضعون اعتبارا للإسلام ولا لأحكامه، ألا يخالف ذلك الدستور الذي شرعتموه والقانون الذي وضعتموه؟ فلماذا تخالفون القوانين التي وضعتمها أنتم وألزمتم أنفسكم بها وأقسمتم على احترامها؟!!

فيديو محمود عزت أثار جدلا على مواقع التواصل حول المعاملة التي يلقاها في محبسه، حيث عبر عدد من رواد المواقع عن تعاطفهم مع الرجل المسن في مواجهة الظلم الذي يتعرض له. واستنكر رواد مواقع التواصل التعامل بهذا الشكل المهين مع الشخص الذي تتلمذ على يديه آلاف الأطباء المصريين الذين درسوا على يديه علم "الميكروبيولوجي" (Microbiology)، والذي تكفل -بوصفه نائب رئيس الجمعية الطبية الإسلامية- بعلاج آلاف المرضى في مصر والعالم.

هذا الموقف يذكرني بموقفين وقعا في الشهور التالية لانقلاب الطاغية عبدالفتاح السيسي في يوليو 2013م؛ حيث كنت حريصا على متابعة الإحصائيات التي ترصد مواقف المصريين من الاصطفاف الحاد الذي فرضه نظام الانقلاب على المصريين وفق قاعدة بوش الابن (من ليس معنا فهو ضدنا)، لا سيما وأن الآلة الإعلامية للنظام أو تلك التي كانت مملوكة لرجال أعمال نظام مبارك كانت تعمل بأقصى طاقتها من أجل تكريس الانقسام المجتمعي وشيطنة الإخوان  والإسلاميين عموما؛ رغم أنهم التيار الوحيد في تاريخ مصر كله الذي وصل إلى حكم مصر بإرادة الشعب الحرة في أول انتخابات نزيهة في تاريخ مصر. وبالطبع لا ننسى دور المطربين في ذلك وأغاني "احنا شعب وأنتو شعب" التي غناها على الحجار، أو أغنية "تسلم الأيادي" التي تمجد جريمة الجيش في مذبحة رابعة؛ حيث قتل آلاف المصريين بسلاح الجيش والشرطة المدفوع من جيوش الشعب المصري.

في هذه الأثناء (2013)، سألت صديقا كان يعمل مدرسا بإحدى المدارس عن حجم المؤيدين للانقلاب بين أصدقائه المدرسين بالمدرسة وكذلك بين تلاميذه وطلابه؛ ذلك أن التلميذ إنما يكرر ما يسمعه من والديه وأسرته خلف الغرف والأبواب المغلقة مما لا يقدر كثيرون على البوح به علنا خوفا  من بطش النظام الانقلابي الدموي، فأخبرني أن بالمدرسة 24 معلما ومعلمة، 17 منهم يؤيدون الرئيس مرسي والإخوان، و5 يؤيدون انقلاب السيسي، واثنان لا يهتمان بالأمر وينشغلان بلقمة العيش فقط. أما التلاميذ فأكد أن نحو 70% منهم على الاقل يعبرون عن تضامن مع المظاهرات التي كانت تخرج كل يوم ضد الانقلاب، و20% يؤيدون انقلاب السيسي، و10% لا يظهر عليهم أي ميول أو انحيازات.

تقريبا نفس النسبة تكررت في مشهد مختلف جرى في إحدى مدارس المرحلة الابتدائية بقرية طهطا بمحافظة سوهاج؛ حيث حدث موقف نشرته «الحرية والعدالة» وقتها، كان لافتا وكاشفا ومثيرا؛ إذ كان تلاميذ يؤيدون الرئيس مرسي وآخرون يؤيدون السيسي، فاتفق مجموعة صغيرة أثناء الفسحة على أن يهتف كل فريق لمن يؤيده حتى يروا من الفريق الأكثر عددا؛ فهتف تلاميد "سيسي سيسي"، والآخرون "مرسي مرسي"، الأمر لفت باقي التلاميذ في المدرسة فانضم كل تلميذ يهتف لمن يؤيد، فكانت المفاجأة المدوية، إذ انضم غالبية التلاميذ للفريق الذي يهتف للرئيس مرسي، الأمر الذي أصاب فريق السيسي بالذهول فسكتوا ولم يبق في ساحة المدرسة إلا هتاف واحد مزلزل "مرسي .. مرسي"؛ فأصثب الناظر بالصدمة، وأسرع لإسكات التلاميذ الذين لم يتوقفوا إلا بصعوبة. ثم أحيل طاقم إدارة المدرسة للتحقيق بسبب هذه الحادثة الكاشفة.

نظام السيسي وأجهزته الأمنية يعلمون علم اليقين أن جماعة الإخوان المسلمين تتمتع بشعبية جارفة، وأن عمليات السحق والاستئصال، وحملات الشيطنة الإعلامية المتواصلة، التي لم تتوقف ساعة، والتي تتم  خدمة للكيان الصهيوني، لم تفلح في تقويض هذه الشعبية الجارفة، لكن الأكثر ألما أن الخلافات التي دبت في صفوف الجماعة كان لها وقع مؤلم على كل المنتمين للجماعة ومحبيها في مصر والعالم، فمتى تدرك قيادات الجماعة ذلك وتحتل قيم استعادة لحمة الصف ولم الشمل على عقول  وأفكار قادتها؟