تصريحات الجنرال عبدالفتاح السيسي أمس السبت 25 ديسمبر 2021م خلال افتتاحه عددا من المشروعات في محافظة قنا بصعيد مصر، والتي هاجم فيها القطاع الخاص قائلا: «الجيوب اتملت»، تمثل محطة جديدة من محطات التهديد والوعيد التي دأب عليها السيسي في مرحلة ما بعد انقلاب 3 يوليو 2013م ضد القطاع الخاص وضد كل من ينافس الجنرالات والمؤسسة العسكرية سياسيا واقتصاديا.
عبارة السيسي التي تحمل شكلا من أشكال التهديد والوعيد جاءت أثناء كلمة مطولة له طالب فيها القطاع الخاص بدعم المشروعات التي تنفذها الدولة، في ظل الانتقادات الموجهة للنظام بحصار أنشطة القطاع الخاص لتمكين المؤسسة العسكرية من الهيمنة المطلقة على مفاصل النشاط الاقتصادي المصري. وللتدليل على ذلك يتعين الإشارة إلى أن السيسي كان قد أصدر قانون التعاقدات الحكومية في 2018م، والذي يعزز من هيمنة الشركات المملوكة للجيش على عقود المقاولات والخدمات والاستيراد، عن طريق الاتفاق المباشر من دون اتباع المناقصات أو المزايدات العامة، الأمر الذي مثل تكريساً لوضع غير دستوري قائم على التمييز الإيجابي لهذه الشركات تحت ذريعة "حماية الأمن القومي".
الملاحظة الثانية المهمة في تصريحات السيسي أنه أفصح عن مفهوم الشراكة مع القطاع الخاص وهي العبارة التي دأب على إطلاقها مرات عدة في سياق دفاعه عن سياساته الاقتصادية ضد الانتقادات الموجهة له بحصار النشاط الاقتصادي وحصره في الشركات التابعة للجيش فقط، فالسيسي يفهم هذه الشراكة على نحو مختلف تماما عن معناها الحقيقي، ومدلولها العلمي والميداني؛ فالشراكة في تصوره هي إذعان رجال الأعمال وشركات القطاع الخاص لأوامر وتوجيهات النظام دون تعقيب أو احتجاج؛ يبرهن على ذلك ما جرى من السيسي في قنا حين طلب من مقاولين اثنين كانا متواجدين بالحفل بتأجيل الحصول على 75% من مستحقاتهم إلى ما بعد الانتهاء من عمل كوبري ومحور بمنطقتين مختلفتين خلال عام، قائلًا: «الناس اللى شغالة مع الدولة جدعان أوى.. لما كوبرى أو محور يتكلف مليار ولا اتنين.. أقوله تأخذ 25% وتخلصه.. ده رقم كبير أوى اللى بيتأجل ده.. شكرا جزيلًا». وسأل السيسي عن مقاول يدعى الحاج سعيد، وسأله «تشتغل فى دشنا وتخلصه بعد سنة؟». وأضاف السيسي موجهًا حديثه للمقاول تاخد الفلوس بعد سنة؟ هديلك جزء، قبل أن يقابله الأخير بقول «اللى سيادتك تؤمر بيه». وهو ما تكرر مع مقاول آخر يدعى هانى تادرس، سأله السيسي «تخش تعمل كوبرى دار السلام؟.. طيب هتاخد 25 % والباقى لما تخلص»، ما رد عليه تادرس بقول «مستنى أوامرك يا ريس»!.
الملاحظة الثالثة، أن مطالب السيسي من شركات القطاع الخاص بدعم ما تسمى بالمشروعات التي تنفذها الدولة هو شكل من أشكال التسول يناقض تماما مفهوم الدولة التي تقوم على قواعد وقوانين ولوائح صارمة تحدد تفاصيل العلاقة بين الدولة وجميع مؤسسات المجتمع، دون أن تترك المجال للهوى أو الاعتبارات الشخصية. فالدول الرشيدة تتعامل مع القطاع الخاص وفق القوانين التي تحدد الحقوق والواجبات بشكل مفصل؛ فإذا التزمت شركات القطاع الخاص بالقوانين المعمول بها فإنها بذلك تدعم الدولة بالتزامها بالقانون وسداد مع عليها من ضرائب ورسوم ومستحقات للدولة. وليس لرئيس السلطة التنفيذية أو الحكومة بعد ذلك أن يطالب القطاع الخاص بما هو أكثر من ذلك؛ وإلا اعتبر ذلك شكلا من اشكال الجباية والإتاواة بعيدا عن القانون واللوائح. وبالتالي فإن تصريحات السيسي إنما تمثل برهانا على مدى الفوضى التي تحكم مصر، فلا دستور أو قانون لكنها رغبات وأوامر القيادة العليا التي تعلو فوق الدستور والقانون؛ وإذا لم يذعن رجل الأعمال لأوامر وتوجيهات النظام فسوف يسومونه سوء العذاب، وسوف تغلق أمامه جميع الأبواب والنوافذ، وقد تحاصره القضايا الملفقة فيتم الزج به في السجون معتقلا بأي تهمة كيدية؛ كما جرى تماما مع رجل الأعمال الشهير أحمد صفوان ثابت، صاحب شركة جهينة لمنتجات الألبان، التي تعد أكبر شركات الألبان في مصر والشرق الأوسط، وسيد السويركي، صاحب سلسلة محلات التوحيد والنور، ومحمد رجب، صاحب محلات أولاد رجب لتجارة الجملة، وحتى صلاح دياب جرى اعتقاله وابتزازه حتى تنازل عن حصته في صحيفة "المصري اليوم".
وبدأت حرب السيسي على رجال الأعمال في أعقاب انقلابه مباشرة في يوليو 2013م؛ حيث اعتقل الآلاف من أنصار الرئيس المنتخب محمد مرسي، بينهم المئات من رجال الأعمال النابغين والناجحين؛ وهؤلاء جرى مصادرة شركاتهم والسطو على ممتلكاتهم ظلما وعدوانا؛ وتم سن القوانين التي تشرعن هذه السرقات، وعلى رأسهم المهندس خيرت الشاطر، نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، ورجل الأعمال الخلوق حسن مالك وغيرهم.
وفي يونيو 2014م، عندما دعا إلى إنشاء صندوق "تحيا مصر"، حيث قال إنه يريد في هذا الصندوق مبلغ 100 مليار جنيه وفق حديثه: «أنا عايز 100 مليار جنيه على جنب كده».
وانقسم رجال الأعمال إلى ثلاثة فرق:
- فريق دفع على الفور وبدون نقاش. وهؤلاء خرج مانشيت «اليوم السابع» في اليوم التالي مباشرة "15 يوليو" تحت عنوان: «قائمة الشرف للمتبرعين لصندوق تحيا مصر»، وشملت «نجيب ساويرس» و «أحمد أبو هشيمة» و «منصور عامر» و«محمد أبو العينين» ورجال أعمال آخرين بقيمة تبرعات وصلت 5.4 مليار جنيه من أصل مبلغ طلبه السيسي وهو 100 مليار جنيه.
- فريق آخر وضع شروطا تخدم مصالحه الشخصية. هؤلاء تبرعوا في وقت لاحق بعد حصولهم على امتيازات خاصة وتسهيلات لخدمة أعمالهم.
- فريق ثالث رفض فكرة التبرع من الأساس باعتباره شكلا من أشكال الإتاوة، خصوصا وأنهم يدفعون ما عليهم من ضرائب والتزامات للدولة. وزاد من تحفظهم غياب أي رقابة على الصندوق والاعتماد على أنه تحت إشراف "الرئيس!" وهو الذي يحدد جهات الصرف منه، والتأكيد على أنهم على استعداد للمشاركة في مشروعات تراها الدولة من خلال شركاتهم بدلا من التبرع، وأن جهودهم الخيرية منتشرة في ربوع مصر؛ لكن النظام أصر على التبرعات؛ لأنه سيتم إسناد المشروعات المستهدفة للقوات المسلحة؛ وهو ما رفضه رجال أعمال متسائلين: " كيف نتبرع للبلد ثم تنفذ القوات المسلحة المشروعات بدلا من شركاتنا؟"، لكن هؤلاء تلقوا تهديدا مباشرا من السيسي الذي هددهم بقوله"اللي أخدتموه من البلد أكبر من المطلوب منكم، وكل واحد عنده مشاكل كبيرة في شغله"! وفي يوم 5 اغسطس 2014م، خرج السيسي مهددا: «هتدفعوا هتدفعوا وإن أخدت مني جنيه يبقالك الكلام، عارفين يعنى إيه أقول إن الصندوق ده أنا أشرف عليه.. اسألوا الجيش أنا كنت بعمل إيه وهناخد من جيب المصريين وهناخد إن شاء الله». ويوم 28 أكتوبر 2014 أمر السيسي القوات المسلحة والحكومة باسترداد الأراضي من أباطرة الأراضي بقيمة 100 مليار جنيه.
بعد تلك الأحداث لم يعد أحد من رجال الأعمال الذين أبدوا تحفظا على التبرع لصندوق السيسي يأمن على نفسه وأهله وشركاته؛ وبدأ النظام في عملية إعادة تصميم المشهد الاقتصادي بما يضمن احتكار المؤسسة العسكرية لمفاصل الاقتصاد، وتشكيل طبقة جديدة من رجال الأعمال تدين بالولاء المطلق للنظام.