تعمد نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي تسريب مقطع الفيديو الذي يتحدث فيه الدكتور محمد عزت، نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، حول الانتهاكات التي يتعرض لها منذ اعتقاله في أغسطس 2020م، حيث كشف أثناء جلسة محاكمته يوم الخميس 23 ديسمبر 2021م، أنه في زنزانة انفرادية لا يسمح له مطلقا بالخروج منها، يفتح الباب لثوان حيث يلقي له السجان طعاما ثم يغلقها على الفور. ولم يلتق أحدا منذ اعتقاله، ولا حتى محاميه، وحتى أثناء نقله من السجن إلى المحكمة يتم تغمية عينه حتى لا يرى الشارع! وخلال المقطع المسرب، ظهرت على عزت آثار الحبس الانفرادي، مع ضعف وهزال واضحين. وشكا في الفيديو من سوء المعاملة وما يتعرض له من انتهاكات، ومنها عدم السماح له بالتواصل مع محاميه، أو أحد من الناس.
كانت حكومة السيسي قد قررت ــ في ديسمبر 2020 ــ إضافة مادة جديدة لقانون العقوبات بتجريم تصوير جلسات المحاكمات دون إذن مسبق. وفي مايو 2021م وافق البرلمان على هذه التعديلات مع رفع سقف الغرامة إلى 300 ألف جنيه؛ ونصت المادة الجديدة على «يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة لا تقل عن مئة ألف جنيه، ولا تزيد على مائتي ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من صور أو سجل أو بث أو نشر أو عرض، كلمات أو صورا لوقائع جلسة مُخصصة لنظر دعوى جنائية أثناء انعقادها بأي وسيلة كانت؛ دون تصريح من رئيسها، وذلك بعد موافقة النيابة العامة، والمتهم، والمدعي بالحق المدني، أو ممثلي أي منهما، ويحكم بمصادرة الأجهزة أو غيرها مما يكون قد استخدم في الجريمة، او ما نتج عنها، أو محوه، أو إعدامه بحسب الأحوال». وبررت الحكومة هذا التعدبل بحماية المتهمين لأن الأصل فيهم البراءة.
معنى ذلك أن المقطع الذي جرى تسريبه للدكتور محمود عزت، تم عمدا بمعرفة أجهزة السيسي الأمنية؛ لإرسال رسائل تهديد لكل معارضيها وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، وأنها ماضية في طريق الانتقام دون اعتبار لحقوق المعتقلين التي نص عليها الدستور والقانون. وثالثا للضغط على الجماعة حتى تذعن للنظام وتعترف بشرعيته رغم أنه سطا على الحكم بانقلاب عسكري في يوليو 2013م أطاح بالجماعة بعدما حازت على ثقة الشعب المصري في كل الاستحقاقات الديمقراطية التي جرت في أعقاب ثورة 25 يناير 2021م.
الاحتمال الآخر، أن يكون التسريب قد تم بمعرفة جهات داخل الدولة على خصومة خفية مع النظام ، وقد عاينا كثيرا من التسريبات التي كانت تقف وراءها جهات نافذة في أجهزة الدولة؛ معنى ذلك أن المقطع الأخيرة قد يكون المستهدف منه إحراج نظام السيسي؛ لأن ما ذكره عزت وإن كان يمثل رسالة تهديد للجماعة وللمعارضة ككل، وأن هذا مصير المعارضين الكبار لنظام الانقلاب؛ إلا أنه قد يتسبب في تعاظم التعاطف مع الجماعة، وهو ما ظهر بوضوح من خلال تعليقات مواقع التواصل الاجتماعي التي تستهجن هذا السلوك الإجرامي من جانب السيسي ونظامه الدموي. فالطريقة التي يتعامل بها السيسي وأجهزته مع المعتقلين السياسيين تبرهن على أن مصر محكومة بمنطق العصابات وقطاع الطرق وليس بمنطق الدول والحكومات.
وقد يكون المستهدف من التسريب، إذا كانت اجنحة على خصومة مع النظام قد سربته، إحراج السيسي كذلك؛ لأن المقطع جرى تسريبه في توقيت حساس؛ حيث يبذل نظام السيسي كثيرا من الجهود (الشكلية) بهدف تبييض صورته أمام الإدارة الأمريكية والحكومات الغربية التي دأبت على إدانة انتهاكاته في ملف حقوق الإنسان. وخروج تسريب على هذا النحو يمثل برهانا جديدا على أن ما تسمى بالاستراتيجية القومية لحقوق الإنسان مجرد مزحة وشكلا من أشكال الشو الإعلامي الذي يراد به تحسين صورة السيسي ونظامه، مع تواصل عمليات القمع المفرط والانتهاكات الواسعة ضد عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين الذي يحاكمون أمام قضاء يفتقد إلى أدنى معايير النزاهة والعدالة.
ما يجري مع عزت وقيادات الإخوان بالسجون وعشرات الآلاف من المعتقلين يأتي بعد أيام قليلة من الأحكام الظالمة التي طالت الناشط علاء عبدالفتاح والمحامي محمد الباقر، والناشط محمد أكسجين، وهو ما يمثل إصرارا من نظام الانقلاب على الانتقام من كل من شارك في ثورة 25 يناير 2011م. على أن يكون الانتقام متدرجا حسب الوزن النسبي لكل حركة؛ والإفراط في التنكيل بالإخوان لأن النظام يعتبرهم أكبر تهديد له بوصفه الحركة الأكثر شعبية بين الحركات التي تطالب بالحريات والعدالة وتبني القيم والإجراءات الديمقراطية في مصر المحكومة بالبطش والقمع العسكري والأمني منذ عدة قرون.
من جانب آخر، فإن ما يجري مع عزت وعشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين يتناقض كليا مع المادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على أن الناس جميعا سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حقِّ التمتُّع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حقِّ التمتُّع بالحماية من أيِّ تمييز ينتهك هذا الإعلانَ ومن أي تحريض على مثل هذا التمييز. كما أنه ــ هو الأهم ــ يتعارض مع الإسلام وجميع الشرائع السماوية؛ حيث توعد القرآن الظالمين بعذاب أليم في الدنيا والآخرة. فهل يتعظ السيسي وضباطه أم يبقى في غيه وضلاله حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا؟