لم يتمالك البعض دموعهم عندما قراءة تفاصيل انتحار مهندس (37 سنة) بإلقاء نفسه من شرفة منزله بالطابق الــ12 في مدينة بدر بمنطقة شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية؛ في أعقاب قيامه بقتل زوجته مستخدما سلاحاً أبيض (سكين)، محدثاً بها إصابات متفرقة في جسدها أدّت إلى وفاتها في الحال، على وقع خلافات زوجية بينهما بسبب معاناته من البطالة، وعدم قدرته على تلبية احتياجات أسرته، في الوقت الذي يرتع فيه قيادات النظام وجنرالاته في المليارات المنهوبة دون حسيب أو رقيب.
قُتلت الزوجة وانتحر الزوج تاركيْن ثلاثة أطفال لا يدري أحد من سيعولهم، وزاد الألم عند المقارنة بين حادثة انتحار هذا المهندس بسبب الفقر والبطالة والعوز وحادثة دهس نجل رجل الأعمال محمد الهواري، صاحب أسواق "هايبر وان" بالشيخ زايد، لأربعة شباب فجر الجمعة 10 ديسمبر الجاري، حيث كان يسير بسيارته الفارهة ماركة " استون مارتن" التي يصل سعرها إلى نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون جنيه فاصطدم بسيارة الشباب الأربعة فماتوا في الحال؛ بينما نجا هو لأن أدوات الأمان في سيارته الفارهة عالية أفضت إلى تعرضه لإصابات طفيفة. ثبت بعد ذلك من خلال تحقيقات النيابة والطب الشرعي أن (كريم) نجل رجل الأعمال كان يتعاطى مخدرا وكحولا وكان يقود سيارته بسرعة جنونية وهو في حالة سكر.
مهندس منزوج يقتل زوجته ثم ينتحر تاركا أطفاله الثلاثة بسبب الفقر والبطالة، بينما يقود شاب مسهتر سيارة فارهة سعرها أكثر من ثلاثة ملايين؛ أليس هذا هو الظلم بعينه؟ أليس هذا انعكاسا لخلل كبير ضارب في أعمال المجتمع من خلال السياسات التي كرست الطبقية في مصر وساهمت في إثراء الأغنياء وأفقار الفقراء؟!
الملاحظة الثانية، أن الصحف والمواقع الخبارية والفضائيات الموالية للسلطة تناولت حادثة انتحار المهندس من خلال التركيز على أنه كان "مدمنا" ويعاني من "أمراض نفسية"؛ بهدف التغطية على السبب الحقيقي وراء ضلوعه في قتل زوجته وانتحاره، وهو معاناته من البطالة، فيما صرّحت النيابة العامة بدفن الجثتين بعد إجراء المعاينة لمكان الحادث، واستعجالها تحريات الشرطة حول ملابساته.
الملاحظة الرابعة، أن نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي لا يكترث للتدعيات الكارثية التي تسببت فيها سياسته الاقتصادية والأمنية؛ والتي أفضت إلى تزايد معدلات الفقر على نحو غير مسبوق بعيدا عن الأرقام الملعوب فيه من جانب الجهاز القومي للتعبئة والإحصاء، والتي تقدر نسبة الفقر في مصر بنحو 29% فقط بعدما تراجعت من 32 % قبل كورونا؛ بمعنى أن جائحة كورونا تسببت ـ على عكس العالم كله ــ في تراجع معدلات الفقر في مصر! كما تسببت هذه السياسات في تزايد معدلات الانتحار والطلاق والجرائم من خطف وسرقة ورشاوي بمعدلات مخيفة تحتفظ بها أجهزة السيسي الأمنية في ظل امتناعها منذ سنوات عن إصدار التقارير الرسمية حول حجم ومدى انتشار الجرائم في مصر. وتتباين التقديرات الرسمية وغير الرسمية بشأن إجمالي حالات الانتحار في مصر، إلاّ أنّ السنوات الأخيرة شهدت تزايداً غير مسبوق في جرائم القتل الأسرية والانتحار، نتيجة تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، في أعقاب تحرير سعر صرف الجنيه عام 2016، وما صاحب ذلك من تفشٍ للبطالة، وارتفاع كبير في أسعار جميع السلع الأساسية والخدمات العامة. وسجّلت مصر 78 حالة انتحار على الأقل في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2021، فيما بلغ عدد الحالات في الأشهر الستة الأولى 201 حالة، وفق تقرير صادر عن "المؤسسة العربية لحقوق الإنسان". وأشار التقرير إلى استخدام ثماني وسائل للانتحار في تلك الفترة، وهي بحسب الأكثر شيوعاً: الشنق، وتناول أقراص سامة أو كيميائية، والقفز في نهر النيل، وإلقاء المنتحر نفسه من مكان مرتفع، وإطلاق النار على النفس، وإشعال النار في الجسد، والقفز تحت قضبان القطار.
https://www.youtube.com/watch?v=zV968YxhRow
الملاحظة الخامسة، أن العقوبة المتوقعة وفقا لنصوص القوانين الحالية لنجل الهواري في حادث الدهس المؤلم في الشيخ زايد، ووفقا لنص المادة (76) من القانون رقم 66 لسنة 1973 وتعديلاته «يعاقب كل من قاد مركبة وهو تحت تأثير مخدر أو مسكر أو السير عكس الاتجاه في الطريق العام داخل المدن أو خارجها بالحبس مدة لا تقل عن سنة». كما أنه إذا ترتب على القيادة تحت تأثير مخدر أو المسكر أو السير عكس الاتجاه إصابة شخص أو أكثر يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه. وحال ترتب على ذلك وفاه شخص أو أكثر أو إصابته بعجز كلي يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 7 سنوات وغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه. وفي جميع الأحوال يقضى بإلغاء رخصة القيادة، مع عدم جواز منح رخصة جديدة إلا بعد مرور مدة مساوية لمدة الحبس المقضي بها عليه.
وكانت قد ألقت قوات الأمن بالجيزة القبض على نجل الهواري لاتهامه بالتسبب في وفاة 4 شباب في حادث تصادم بمدينة الشيخ زايد. وقررت النيابة حبسه 4 أيام على ذمة التحقيقات بعدما كشفت تقارير الطب الشرعي والتحريات الأمنية أنه كان يقود سيارته بسرعة جنونية (180 كم/ ساعة) تحت تأثير المخدر والكحول.