يكافح المصريون في زمن الانقلاب على جبهة أخرى لا تقل خطرا عن جبهة القمع وغلاء الأسعار والتفريط في السيادة، وهي جبهة الذوق العام والحفاظ على الهوية السمعية والتي تتعلق بالآداب العامة والأخلاق، وذلك بعد تصدر مهرجان "شيماء ارجعي متخافيش" مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأسبوع الماضي، نظرا لتبني إعلام العسكر مهمة الترويج له.
وفي أحد مواخير المخابرات العامة التي يديرها عباس كامل، احتفى الإعلامي شريف عامر بالشاب يوسف سوستة الذي قفز وبطته شيماء إلى الصدارة، وكأن قدر المصريين البقاء في إلهاء وعصافير أغاني المهرجانات وإغراق المجتمع في أمور تافهة وظواهر سطحية.
هذا النوع من الغناء، لا يختلف كثيرا عن المخدرات في تأثيرها المدمر على المجتمعات والشعوب، وتداولها والسماح بها هو نفسه مثل السماح بتداول المخدرات وعدم تجريمها، باعتبار أن كليهما حرية شخصية للناس وفق ما يراه البعض؟.
مخزون الاحتقان
فتحت حكومات الانقلاب المتعاقبة والتي يديرها العسكر المجال لبعض الوجوه لتطل على المشاهدين والمستمعين بمحتوى ساعد على نشر البلطجة والسوقية والإسفاف، وليس هذا فقط، بل إنها كانت تجلسهم في الصفوف الأمامية في بعض المناسبات الكبيرة، كرسالة لا تخطئها عين على دعمها ومساندتها لشخوصهم وما يقدمونه من محتوى بالغ السوء.
شاب بشعر "عرف الديك" وبنطلون بيجاما وتي شيرت مهلهلة يغني بصوت نشاز "شيماء شوشو شوشو" في فيديو كليب في الشارع محاطا بكلاب ضالة، ويبدو أنه يبحث عن شيماء ويقول فيها مواويل ويبحث عنها تحت السيارات ويستجديها العودة بعدما ضيّع عمره من أجلها ويحاول نسيانها بشرب زجاجة مياه غازية وهو مستلقٍ على الرصيف ومحاط بالقمامة ومستمر في حثه لها بالعودة "ارجعيلي وما تخافيش".
وينتهي الكليب نهاية سعيدة، فبينما يتغنى المطرب واسمه يوسف سوستة بمآثر حبيبته المفقودة، تظهر شيماء فجأة ويهرع المحبوب إلى محبوبته التي يتضح أنها بطة.
شيماء البطة والمطرب سوستة أعادا تأجيج نيران أغاني المهرجانات، وأثرها في الذوق العام ووجوب منعها أو السماح بها وعوامل رواجها وأسباب شيوعها وسبل مواجهتها أو تقويمها أو تركها على حالها.
سوستة وبطته شيماء حققا ما يزيد على مليوني مشاهدة على يوتيوب وهو ما قفز به ومحاولاته المحدودة للغناء في منطقة عين شمس، حيث يقيم وبضعة أفراح شعبية يغني فيها إلى عوالم الشهرة اللامحدودة وإمكانيات الواقع الافتراضي غير المحسوبة.
ولم ينسَ المصريون فضيحة كلية طب بنها، حيث منحت الكلية درع التفوق والتميز للمطرب الشعبي الراحل شعبان عبد الرحيم، الذي أضر الذوق العام بأغانيه المبتذلة.
عروض هابطة
سمحت حكومة الانقلاب بمهرجان آخر تقول بعض كلماته "اصحى ياللي أمك صحبتي.. وخالتك كانت فردتي.. وأختك بترقص على مطوتي أحسن من أيها سرسجي".
هذه الكلمات فعل فاضح بكل ما تحمله الكلمة من معان، ولا يستطيع أن يسمح أب مصري لأسرته بسماعها، وبالتالي فإن دفاع إعلاميو الانقلاب بأن المجتمع لديه الحرية في اختيار ما يشاء ليس صحيحا، لأن الحرية ليست مطلقة، ولكن لها حدود ينبغي ألا تتعداها حتى لا تتحول إلى فوضى مدمرة.
ويحظى الذوق العام والخاص في كل دول العالم بحماية قانونية محلية وعالمية، ومهمة حمايته يتشارك فيها مؤسسات رسمية والمحاكم ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها، وجميعها مسئول عن حماية الذوق العام، وحين تستخدم قناة تليفزيونية لغة متدنية وتستضيف أمثال سوستة وحمو بيكا وشاكوش، على المواطن أن يلجأ إلى المجلس الأعلى للإعلام لوقف الاعتداء على شخصه وأيضا يمثل اعتداء على الذوق العام.
وبعد انقلاب 2013 الدموي احتلت الساحة الغنائية بمباركة العسكر عناصر جاهلة في أصول الموسيقى والغناء ومن دون أن تتوفر لها أدنى قدر من المهارة والقدرة الصوتية على الآداء واعتماد أسلوب الزعيق بمصاحبة آداء موسيقي يخلو من المقومات اللحنية للموسيقى.
واصبحت العروض الغنائية الهابطة المدعومة من مخابرات اللواء عباس كامل، التي يقدمها هؤلاء الدخلاء على الفنون الموسيقية نوعا من التهريج والصخب، الذي لا يمت بصلة إلى الفنون الموسيقية، والتي أصبحت هي المادة الرئيسية في الأعراس وحفلات الختان وحفلات أعياد الميلاد، لبعض ميسوري حال آخر زمان في القاعات المستأجرة التي يحضرها المدعوين الذين تأخذهم الحماسة في الرقص والغناء مع المغني لتكتمل الجوقة بأسوأ أحوالها .
والجدير بالذكر أن مثل هذه الاغاني والعروض يجري تسجيلها في بعض الإستوديوهات المحلية وتعرض للبيع في الأسواق عن طريق مكاتب التسجيلات التي تراقبها الجهات الأمنية.
ومع اتساع هذه الموجة وغياب الفن الأصيل فإن هذا التدهور الحاصل في المجتمع والذي طغى على الساحة، التي لم يعد روادها الذين اخترقوا سياج الفن سوى مجموعة من الذين امتهنوا الموسيقى والغناء خارج حلبة الفن الغنائي الحقيقي، ووجدوا لهم جهات رسمية تنتشر تسجيلاتهم في سيارات التاكسي و التكاتك وقاعات عروض حفلات الدرجة العاشرة.
والتي وصلت عدواها إلى تخريب الذوق العام للمصريين حين تحولت الفنون الموسيقية بعناصرها الموسيقية والغنائية إلى صراخ وصخب وكلمات ساذجة، بل ومخدشة للحياء جاهزة للنمو والاستمرار مع ازدياد سيارات التاكسي والتكاتك وملايين الصبية والأحداث الذين تركوا التعليم وملايين العاطلين عن العمل الذي يندبون حظهم .
ومفهوم الذوق العام يتسع ليشمل كل ما يتفق عليه المجتمع من سلم القيم والأخلاقيات والعادات والتقاليد والسياسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، كما أنه يضيق، ليصبح الذوق الشخصي للقارئ أو المشاهد الذي يتضرر من نشر أو إذاعة أي مادة صحفية أو إعلامية تسبب له أضرارا شخصية.