تسعى الدول إلى جذب الاستثمار الأجنبي إذا كان ذلك سوف يؤدي إلى مكاسب مشتركة للطرفين بما يضمن مصالح البلاد وحماية ثرواتها؛ لكن اللافت في الاستثمار الأجنبي في مصر أنه يحصل على نصيب الأسد مقارنة بحصص هذه الشركات في مشروعات مماثلة في دول أخرى.
وتكفي الإشارة إلى سيطرة الشركات الأجنبية الكبرى أو متعددة الجنسيات على قطاع الطاقة المصري؛ حيث تهيمن الشركات (الأمريكية ـ البريطانية ـ الإيطالية) على قطاعي النفط والغاز بشكل يهضم حقوق مصر ويبرهن أن هذه الشركات تحصل على حصص عالية للغاية وفق التعاقدات التي أبرمتها حكومات دكتاتورية فاسدة لا تراعي الله أو مصالح الوطن وحماية ثرواته.
يؤكد ذلك أن الدراسة التي أعدها «المركز المصري للحقوق الاقتصادية»، والتي تحذر من التشريعات الاقتصادية في ظل نظام 30 يونيو في ظل سيطرة عدد من الشركات متعددة الجنسيات على مفاصل الاقتصاد المصري، مما يعكس وقوع الاقتصاد تحت قبضة رجال الأعمال الأجانب، خصوصاً بعدما استولت تلك الشركات على60% من قطاع البترول و80% بالنسبة لصناعات الأغذية والدواء والاتصالات والإسمنت والألبان والزيوت و40% من حجم تداولات البورصة المصرية، علاوة على تحريكهم البورصة صعوداً وهبوطاً وفقاً لتحركاتهم البيعية والشرائية.
وبحسب الدراسة التي نشرت في 2015م، تمتلك الشركات متعددة الجنسيات ما نسبته 60% من صناعة الدواجن والسيارات وأغلب السلاسل التجارية وجزء كبير من المصارف والقرى السياحية والفنادق وقطاع الاستثمار العقاري في مصر. ومن أهم الشركات الأجنبية المستثمرة في مصر تأتي: مايكروسوفت وجنرال إلكتريك، وبي بي النفطية، وكوكاكولا، وكرايسلر، وفورد، وبريتش بتروليوم. ويصل عدد العلامات التجارية الأجنبية المسجلة داخل السوق المصرية إلى نحو 28 ألف علامة مقابل 400 علامة مسجلة لشركات محلية، وهو ما يعكس سيطرة أجنبية كبيرة على مفاصل الاقتصاد المصري.
الأولوية للأجانب
وخلال الشهور الماضية، أسند نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي معظم المشروعات لشركات أجنبية، وأوروبية تحديدا، مع غياب أو تغييب كامل لدور الشركات الحكومية والوطنية والخاصة المصرية، على الرغم مما حملته تلك المشروعات للدولة المصرية من تكلفة وديون وفوائد تابعة لها.
ويمكن أن نبرهن على ذلك بأن وزير نقل الانقلاب شهد في يوم واحد توقيع 13 اتفاقية ومذكرة تفاهم، منها مثلا توقيع مذكرة تفاهم مع سكك حديد ألمانيا، ممثلا في اتحاد شركات "DB" المكون من (دويتشه بان للعمليات الدولية، ودي بي للأعمال الهندسية) لتشغيل الخط الأول للقطار الكهربائي السريع "العين السخنة – العاصمة الإدارية – العلمين- مطروح". وهو القرار الذي يأتي بعد أن أسندت وزارة النقل بشكل نهائي إدارة وتشغيل خط القطار الكهربائي "السلام – العاصمة الإدارية – العاشر من رمضان" لشركة "RATP Dev" الفرنسية، مطلع تموز/ يوليو 2021، لمدة 15 عاما. وهو القرار الذي تم بعد أيام من إسناد مسؤولية إدارة وتشغيل الخط الثالث لمترو الأنفاق "عدلي منصور – إمبابة – جامعة القاهرة" لنفس الشركة الفرنسية منتصف 2021. كما تتولى شركة "هيل إنترناشيونال" إدارة مشروعي مونوريل العاصمة الإدارية الجديدة، مونوريل 6 أكتوبر الجديد، كأحد أبرز المشروعات القومية في صناعة السكك الحديدية بمصر.
ووقع الوزير، الاثنين، نحو 13 اتفاقية مع شركات فرنسية وإسبانية وألمانية لإدارة واستيراد وتصنيع مهام مشروعات السيسي في قطاع النقل البري والبحري.
أولها، توقيع مذكرة تفاهم لتحديث وصيانة قطارات الخط الثاني لمترو الأنفاق مع شركتي "كاف" الإسبانية و"ميتسوبيشي" اليابانية.
ثانيا، توقيع عقد تصنيع وتوريد (55) قطارا مكيفا للخط الأول لمترو الأنفاق، شاملة أعمال الصيانة لمدة 8 سنوات مع شركة "ألستوم" الفرنسية.
ثالثا، توقيع عقد تصنيع وتوريد (23) قطارا للمرحلة الأولى من الخط الرابع لمترو الأنفاق مع شركة "متسوبيشي" اليابانية.
رابعا، توقيع اتفاقية عقد إعادة تأهيل وصيانة وتطوير وتحديث (23) قطارا للخط الأول لمترو الأنفاق مع شركة "كاف" الإسبانية. إضافة إلى مذكرة تفاهم لتحديث وصيانة قطارات الخط الثاني لمترو الأنفاق مع شركتي "كاف" الإسبانية و"ميتسوبيشي" اليابانية.
خامسا، توقيع اتفاقية مع اتحاد شركات "هيونداي روتم نيرك"، لتوطين صناعة قطارات المترو، من خلال تصنيع وتوريد 320 عربة للخطين الثاني والثالث لمترو الأنفاق.
سادسا، توقيع مذكرة تفاهم لإعداد دراسات الجدوى الأولية للخط السادس لمترو أنفاق القاهرة الكبرى مع اتحاد الشركات الاستشارية الفرنسية "ايجيس ريل – سيتك". وكذلك مذكرة تفاهم بين هيئة السكك الحديدية وشركة "تالجو" الإسبانية العالمية لتصنيع وتوريد عدد 7 قطارات نوم.
سابعا، توقيع الاتفاقية الإطارية بين الهيئة القومية لسكك حديد مصر وشركة "تاليس" الإسبانية لتنفيذ ازدواج وتطوير خط (قليوب- شبين القناطر – الزقازيق)، وتنفيذ شركة "ألستوم" الفرنسية ازدواج وتطوير خط (طنطا – زفتي – الزقازيق).
توجيهات مباشرة من السيسي
وزير النقل بحكومة الانقلاب كامل الوزير، كان أكد على توجيه السيسي بالتعاقد مع شركات أجنبية لإدارة الخط الثالث للمترو والقطار الكهربائي الخفيف، وإسناد إدارة مشروعات المونوريل والقطار الكهربائي السريع والمحطات متعددة الأغراض بالموانئ المصرية لشركات قطاع خاص عالمية.
وقال للإعلامي أحمد موسى، ببرنامج "على مسؤوليتي" بفضائية "صدى البلد"، 28 يونيو 2021، إن تكلفة إنشاء المشروع القومي للطرق تبلغ 150 مليار جنيه، لافتا إلى أن شركات أجنبية ستتولى إدارة وتشغيل القطار الكهربائي و المونوريل. وأشار إلى أنه "ليس هناك ما يمنع من إشراك شركات خاصة أو أجنبية في إدارة قطاع البضائع بالسكك الحديدية، وإذا لم يستجب موظفو السكك الحديدية للتطوير سنأتي بشركة أجنبية لإدارة المنظومة". وفي 31 أكتوبر 2021، قال الوزير في مؤتمر صحفي، إن مصر لديها في قطاع النقل والطرق خطة "من 2014 إلى 2024، تبلغ التكلفة الإجمالية لها نحو 1.669 تريليون جنيه (نحو 106.2 مليار دولار)". وأوضح أن "المشروعات التي تم تنفيذها خلال 7 سنوات ماضية بلغت تكلفتها 1.295 تريليون جنيه (نحو 82.4 مليار دولار)".
مخاطر بالجملة
ويحذر الخبير الاقتصادي، الدكتور علي عبدالعزيز، أستاذ الاقتصاد المساعد بكلية التجارة في جامعة الأزهر، من المخاطر والتداعيات الكارثية لهذه السياسيات؛ ويرى أن إسناد هذه المشروعات في هذا القطاع الحيوي والمهم لشركات أجنبية، قد يكون بسبب افتقاد الشركات المصرية لتكنولوجيا الإنشاء والإدارة". لكنه يرى أن ذلك قد يكون مقبولا إذا كانت هناك شفافية في إعلان أسباب اختيار هذه الشركات، وأيضا الكشف عن الوسطاء المحليين، وهم في الأغلب شركات تابعة للجيش"، مؤكدا أن "تكلفة هذه الوساطة ليست بالبسيطة".
ويرى أن "إنفاق السيسي نحو 4 تريليونات جنيه على مشروعات غير ذات أولوية، في ظل عجز بتوفير احتياجات التعليم والصحة، وغياب الرؤية لنهضة حقيقية على المستوى الزراعي والصناعي، وهو ما ينعكس على الصادرات التي لم تتجاوز 30 مليار دولار سنويا". ومن جملة المخاطر أن هذه المشروعات تتم بقروض خارجية تجاوزت 140 مليار دولار بخلاف 35 مليار دولار استثمارات للأجانب في أدوات الدين المحلي، ومع القروض تحويلات المغتربين، والتي تجاوزت 30 مليار دولار". ويعتقد أن المشكلة الحقيقية هي أن السيسي يضيق الخناق على القطاع الخاص لصالح الجيش، ويفتح المجال لمشروعات تنفذها شركات دولية، وفقا لتحيزات سياسية دولية لسنا بحاجة إليها الآن".