أمام عجز حكومة الانقلاب في السيطرة على مافيا الدروس الخصوصية التي تستنزف عشرات المليارات سنويا من جيوب المواطنين في ظل الانهيار الحاد في دور المدرسة وعدم انتظام العملية التعليمية وسوء المستوى، أصدرت مصلحة الضرائب العامة الأربعاء 3 نوفمبر 2021م بيانا طالبت فيه مراكز الدروس الخصوصية بإخطار مأموريات الضرائب ببيانات النشاط في حالة وجود ملف ضريبي، أو فتح ملف ضريبي في حال عدم وجوده، مع إتاحة مهلة شهر للتسجيل والإفصاح عن البيانات.
وبحسب البيان، قال رئيس مصلحة الضرائب، رضا عبد القادر، إن «الإخطار الذى يقدمه من يقوم بنشاط الدروس الخصوصية بالمأمورية يجب أن يتضمن البيانات الأساسية للممول أو الشركة أو الجمعية وغيرها وهي: عنوان المركز الرئيسي للنشاط أو فروعه، والكيان القانوني، وكذلك الساحات وعدد القاعات وسعة مقاعد كل قاعة، وأسماء المدرسين والمتعاقدين وبياناتهم واسم الشهرة إن وجد»، مع الإشارة إلى الإخطار بالنشاط وفتح ملف ضريبي لا يعد سندًا قانونيًا لتقنين أوضاع مراكز الدروس الخصوصية.
ضرائب على الدروس
وينقل موقع "مدى مصر" عن مصدرين ــ فضلا عدم ذكر اسميهما ــ أحدهما في الإدارة المركزية للبحوث الضريبية، والآخر مستشار سابق لرئيس مصلحة الضرائب، فإن كل الأنشطة التي ينتج عنها دخل مالي خاضعة للضريبة، سواء كانت شرعية أو غير شرعية.
وأوضح مستشار رئيس المصلحة الأسبق أن «الأصل في القاعدة الضريبية أن كل نشاط خاضع للضريبة، باستثناء ما ينص عليه القانون بالإعفاء. الأنشطة المختلفة، سواء مشروعة أو غير مشروعة، وسواء مجرمة بالشرائع السماوية أو بالقوانين المحلية، كلها خاضعة للضرائب»، مضيفًا أنه طالما يدر النشاط ربحًا فهو يخضع للضرائب «مثل تجار المخدرات، حينما يتم القبض عليهم تطالبهم مصلحة الضرائب بسداد ضريبة على الدخل من خلال الرجوع لتحريات وبيانات النيابة العامة حول حجم التجارة ومدة الاتجار وحساب الضريبة المستحقة على الأرباح المتحققة». ويرى أن إخضاع الأنشطة غير المقننة وغير الشرعية يحقق العدالة الضريبية، موضحًا: «ما فعلته المصلحة اليوم من مناشدة لأصحاب المراكز للتسجيل ليس تقنينًا للنشاط، ولكنه آلية لتحقيق العدالة الضريبية، لأن المصلحة لا تقنن ولكنها تستعيد حق الخزانة العامة في دخول هذه الفئة».
وحول آلية التحصيل قال إن «المركز» سيتم محاسبته على إجمالي الدخل من ممارسة نشاط الدروس الخصوصية سواء كان هذا النشاط تأجير للغير (المدرسين) أو «قيامه من خلال مدرسين وظفهم لديه بممارسة نشاط التدريس». أما المدرسين فإذا انحصر عملهم في المركز فقط، كوظيفة، ستتم محاسبتهم بالخصم من مرتباتهم، أما إذا كان المدرس معينًا لدى وزارة التربية والتعليم، وتنحصر علاقته بالمركز في تأجير مساحة عمل، سيتم إخضاعه لضريبة المهن الحرة بعد فتح ملف ضريبي له.
من جانبه، قال الباحث في المركز القومي للبحوث التربوية، كمال مغيث، إنه لا يوجد جريمة اسمها «الدروس الخصوصية»، لعدم وجود ما يجرم ممارسة هذا النشاط في قانون التعليم ولا القانون المدني. وأضاف أن ممارسة النشاط التعليمي خارج مؤسسات التعليم يعد مخالفة إدارية بموجب قرارات وزارية «مالهاش معنى»، بحسب وصفه، وهي القرارات التي يقوم المحافظون وموظفو المحليات بتطبيقها من خلال حملات على مراكز الدروس، ولا ينتج عن هذه الحملات شيء سوى زيادة أسعار الدروس رغبةً من القائمين على نشاط الدروس الخصوصية في تأمين أنفسهم.
وينتهي مغيث إلى أنه رغم عدم وجود تشريع يُجرم الدروس الخصوصية إلا أنه لا يوجد كذلك ما يُبيحها صراحة؛ ولذا فإن موقف الدروس الخصوصية في مصر «مايع»، بحسب مغيث، الذي أكد على أن مطالبة «الضرائب» للقائمين بالنشاط بالتسجبل والأخطار بمثابة تقنين لأوضاع العاملين في هذا المجال.
أسباب فشل مواجة "السناتر"
وطوال شهور الدراسة تشن الجهات الحكومية "المحليات" حملات منتظمة ضد السناتر ومراكز الدروس الخصوصية رغم عدم وجود تشريع يجرم ذلك. وكان محافظ كفر الشيخ جمال نور الدين "ضابط شرطة سابق" قد ذكر في تصريحات متلفزة، بعد دهم العديد من المراكز وتسريح مئات الطلاب منها وإغلاقها "وجدنا مراكز تحت الأرض في الجراجات والبدرومات بعضها متصل بأنفاق بين العقارات".
المثير أن مراكز الدروس الخصوصية تتزايد، رغم العواقب الشديدة التي تنتظر المدرسين وأصحاب المراكز، مثل إحالة المدرس على المحاكمة التأديبية وإيقافه عن العمل، وإحالة الواقعة نفسها إلى النيابة العامة وإغلاق المراكز وفصل المرافق مثل الكهرباء والمياه عنها.
ويقدّر وزير تعليم الانقلاب طارق شوقي فاتورة الدروس الخصوصية، في اجتماع سابق للجنة المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الوزارة عام 2018، بنحو 111 مليار جنيه سنويا (ما يعادل 7 مليارات دولار). ورغم الحرب التي تشنّها أجهزة الدولة المختلفة على ظاهرة الدروس الخصوصية، فإنها عجزت حتى الآن عن إيقافها، وتحولت إلى نشاط سرّي يدار في أقبية ودهاليز وسراديب سرية، وذلك يطرح سؤالا عن السبب الحقيقي وراء استمرارها.
وكان "شوقي" قد توقع قبل نحو 4 سنوات القضاء على ظاهرة الدروس الخصوصية بمجرد تطوير المناهج، وقال في تصريحات متلفزة في 20 ديسمبر2017 إنه لا مكان للدروس الخصوصية في مصر في عام 2020، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
وتمثّل ظاهرة الدروس الخصوصية أرقا للدولة ولأولياء الأمور والطلاب، حتى إن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يضعها ضمن أهم مؤشرات بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2019-2020. وكشف البحث أن متوسط الإنفاق السنوي للأسرة المصرية على التعليم بلغ سنويًّا نحو 8850.6 جنيها، بنسبة 12.5% لإجمالي الجمهورية وفي الحضر بنسبة 15.7%، أي نحو 12829 جنيها، مقابل 9.2% في الريف، أي نحو 5720 جنيها.
وتستحوذ المصروفات الدراسية على 38.6% من إجمالي حجم إنفاق الأسرة على التعليم، في حين تستحوذ دروس التقوية على 28.3%، والكتب والأدوات المدرسية 11.3%، ومصاريف الانتقالات على 9.6%، والملابس والحقائب 7.2%.
وفي تقديره، يرى عبد الحفيظ طايل مدير مركز "الحق في التعليم" (مستقل) أن الحكومة أخفقت حتى الآن في ثني الطلاب وأولياء الأمور عن الاستمرار في تعاطي الدروس الخصوصية، رغم تطوير المناهج لأسباب متعددة، متوقعا في الوقت ذاته استمرارها. وأوضح طايل أن التطوير يجب أن يشمل المنظومة التعليمية بالكامل من بنية مدرسية ومعلمين وليس الكتاب المدرسي فقط، مشيرا إلى أن الدروس الخصوصية هي عرَض لأمراض التعليم، في حين أن المرض الأساسي هو محاولات الحكومات المتعاقبة تحويل التعليم من حق إلى سلعة. ورأى طايل أن الدولة لا تحارب دروس التقوية بدليل أنها أنشأت مجموعات تقوية داخل المدارس، وكل ما هنالك أنها ترى أن من حقها هي وحدها "بيع" التعليم، هي والمدارس الخاصة، وهي بذلك تعمل بمنطق استرداد التكلفة.