تخطى كل التغييرات العسكرية طوال السنوات السابقة، رغم الفساد المتورط فيه، والذي يطال شخصيات أخرى نافذة في عصابة الانقلاب، وفجأة قرر السفاح تعيينه رئيسا جديدا لأركان الجيش المصري، خلفا للفريق محمد فريد حجازي.
ومنذ استيلائه على السلطة عقب الانقلاب العسكري في يوليو 2013، يعتمد السفاح السيسي سياسة التغيير المستمر في القيادات العسكرية، خاصة أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
متورط في الفساد
في 19 مايو، 2018، قام السفاح السيسي باحتجاز الفريق أسامة عسكر، مساعد وزير الدفاع والرئيس السابق لقوات شرق القناة، ووضعه رهن الإقامة الجبرية في فندق الماسة بتهم تتعلق بالاختلاس المالي، وهو ما مثل وقتها تصعيدا في مستوى حرب الجنرالات التي تتعلق ببسط النفوذ وتحقيق الامتيازات غير المشروعة، سواء على السلطة أو الأموال.
وتردد اسم أسامة عسكر في سبتمبر 2017، في قضية فساد تم الكشف عنها عبر تقارير إعلامية، حيث أفادت بإلقاء القبض عليه على خلفية اتهامه بفساد مالي وصل قيمته إلى 500 مليون جنيه، وكان "عسكر" يشغل منصب قائد الجيش الثالث الميداني وقت الانقلاب العسكري الذي نفذه السيسي في يوليو 2013 على أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا، الشهيد محمد مرسي، ثم رُقي إلى رتبة فريق في يناير 2015، وتسلم قيادة القوات الموحدة لمنطقة شرق قناة السويس ومكافحة الإرهاب.
وترك منصبه فـي ديسمبر 2016، إثر قرار السفاح السيسي بتعيينه مساعدا لوزير الدفاع لشئون تنمية سيناء، وشكل اختيار الفريق عسكر مفاجأة كبيرة، فالعسكري الذي جرى تهميشه بمناصب شرفية في السنوات الخمس الأخيرة هو نفسه الذي صعد مرة واحدة ليكون في الترتيبة العسكرية بالجيش ثالث أهم قائد، والقائد الأول ميدانيا واحتكاكا بالقوات وقادة الأفرع وغيرها من الصلاحيات التي يتيحها له منصب رئيس الأركان.
مفاجأة تعيين عسكر ليس في أن سنه وصل إلى 64 عاما، ولكن لكونه من الرجال المحسوبين على الفريق سامي عنان، رئيس الأركان الأسبق ولديه علاقات قوية ومتوغلة بالجيش بشكل كبير ومع أجيال متعددة، فضلا عن مخالفات الفساد التي أ،دين بها في وقت سابق وتسببت في احتجازه لعدة أيام داخل فندق الماسة بالقاهرة.
الضباط الغاضبون
تعرض أسامة عسكر للتهميش بشكل واضح في الجيش خلال السنوات الماضية بعدما عُين مساعدا لوزير الدفاع، صحيح أنه تحرك بشكل واضح في سيناء بعد تولي قيادة الجيش الثالث وغيرها، لكن قضايا الفساد التي ذُكر اسمه فيها وتم إنهاؤها بشكل سريع بعد قيامه برد مبالغ مالية كبيرة على الفور عقب احتجازه برفقة زوجته لعدة أيام.
ما يتردد في الجيش أن عودة أسامة عسكر هي محاولة من السيسي، لكسب ود تيار لم يعد صغيرا من الضباط الغاضبين من عمليات التهميش التي يتعرضون لها، إضافة إلى عدم القدرة على التعامل مع هذا التيار من خلال رجاله الذين سيطروا على المشهد بشكل كامل.
صحيح أن تحركات أسامة عسكر ستكون محل مراقبة جيدة من شخصيات عدة، لكن يبقى الجانب الأهم هو مدى قدرته على ممارسة صلاحيات مهام عمله في الفترة المقبلة، بخاصة مع بداية عصابة الانقلاب التجهيز لانتخابات 2024 من الآن على جميع المستويات، لضمان تأييد أوسع للسفاح السيسي من أجل البقاء في السلطة حتى 2030.
وعقب الإطاحة بـعسكر من منصبيه السابقين قائد الجيش الثالث الميداني وقائد القوات الموحدة لمنطقة شرق قناة السويس ومكافحة الإرهاب، اختفى بعيدا عن الأنظار، ولم يكن له أي ظهور سوى في مناسبات قليلة جدا، كان آخرها في 29 يونيو 2017، حيث شارك في تشييع جثمان قائد المنطقة الشمالية العسكرية، اللواء محمد لطفي يوسف، والذي لقي مصرعه في حادث تصادم، وهو ما دفع نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي للتساؤل عن عسكر.
تفاصيل ما حدث
وذكر الإعلامي محمد ناصر، وفقا لما نقله عن مصادرهم العسكرية، أن خيوط القضية تعود إلى نحو 5 أشهر، حيث تم اكتشاف شركة باسم نجل الفريق أسامة عسكر يبلغ رأس مالها نحو 50 مليون جنيه، وهو ما أثار الشكوك نظرا لصغر سنه، حيث إنه يبلغ 21 عاما.
وأضاف "مع تقدم التحقيقات، تم اكتشاف شركات أخرى لبعض أقارب الفريق عسكر تعمل في مجال توريدات مواد البناء إلى سيناء وتستخدم في مشروعات التنمية التي كان يُشرف عليها عسكر".
واستطرد قائلا: "انتقلت التحقيقات إلى الفريق أسامة عسكر، لكنها كانت في البداية بشكل ودي غير رسمي، وهنا تم اتهامه باختلاس أو إهدار نحو 500 مليون جنيه".
وأشار إلى أن "جهات عليا طلبت من عسكر إرجاع المبلغ المالي في مقابل إغلاق ملف القضية، وهو ما لم يقبله عسكر الذي رفض التنازل عن كامل المبلغ أو جزء منه، بحسب ما طلبت منه تلك الجهات".
المصادر العسكرية قالت إن "عسكر لايزال مُصرا على موقفه، ويرفض محاولات الضغط المستمرة عليه، ونقلوا عنه قوله مفيش فلوس وهذا حقي، لافتا إلى أن ملف القضية سيُغلق تماما حال استرجاع الأموال، كما حدث مع قضايا مشابهة تتم فقط داخل دائرة ضيقة من القيادات العسكرية الكبيرة".
وقال ناصر إن "عسكر يشترك مع مساعد وزير الدفاع، اللواء أحمد وصفي، الذي شغل سابقا منصبي قائد الجيش الثاني الميداني، ورئيس هيئة تدريب القوات المسلحة، في ما وصفه بالتواصل الجيد مع جنود الجيش، وأنهما يملكان كاريزما داخل القوات المسلحة، وأنهما من الدائرة القريبة من وزير الدفاع السابق صدقي صبحي"، وفق قوله.
وأكد أن "عسكر" و"وصفي" كانا ضمن المجلس العسكري الذي بارك ونفذ الانقلاب على الرئيس الشهيد محمد مرسي، مستدركا بقوله "لكن كان رأيهما عدم الدفع بالسيسي لرئاسة الجمهورية حفاظا على سمعة الجيش، وأن يظل السيسي وزيرا للدفاع بصفته بطلا شعبيا، على أن يتم الدفع بقيادة عسكرية أخرى سابقة أو حالية".
ولفت إلى أن "خطوة ترقية أسامة عسكر كانت تبدو كترضية، إلا أن الجميع كان يعلم أنها خطوة أولى في طريق الإطاحة به من المجلس العسكري، وأن تكليفه بملفي الإرهاب والتنمية في سيناء، كان فخا لاصطياده فيما بعد في قضايا فساد مالي، وهو ما يحدث الآن، بحسب ما ذكره الإعلامي محمد ناصر نقلا عن مصادره العسكرية".
وأضاف "استمرار مسؤولية أسامة عسكر عن سيناء، لم تكن في صالح السيسي بأي حال من الأحوال، فأهداف السيسي في سيناء والتي باتت معروفة للجميع لن يستطيع عسكر تنفيذها، لأن السيسي وصل إلى مستوى غير مسبوق من التنازل والتفريط والتعاون مع الاحتلال الصهيوني".