إلغاء حالة الطوارىء.. هل تغير من المشهد الدموي في مصر؟

- ‎فيتقارير

لم يعد السفاح المنقلب السيسي بحاجة أن يبطش بموجب قانون الطوارىء الذي فرضه في البلاد، وذلك بعدما ألغاه الرئيس الشهيد محمد مرسي، آخر رئيس مدني منتخب للبلاد، بعدما دام فرضه طيلة حكم المخلوع الراحل مبارك؛ فقد أصبحت مفاصل الدولة بكاملها من جيش وشرطة وقضاء ومخابرات وأمن وطني وبرلمان في قبضة الجنرال وعصابة الانقلاب.

قانون الطوارئ استخدمه المخلوع مبارك، لتبرير ممارساته الاستثنائية في احتجاز المعارضين بعيدا عن سلطة القضاء، أما الآن فكل الانتهاكات تُقنن عبر السلطة القضائية التي تحولت إلى أداة تنفيذية، ولا يوجد محتجز واحد حاليا تحت بند قانون الطوارئ، فعدم تجديد حالة الطوارئ لا تغير من المشهد.

 

تسريع الإحالات..!

تقول المادة 19 من قانون الطوارئ "عند انتهاء حالة الطوارئ تظل محاكم أمن الدولة مختصة بنظر القضايا التي تكون مُحالة عليها، أما الجرائم التي لا يكون المتهمون فيها قد قُدموا إلى المحاكم فتُحال إلى المحاكم العادية المختصة" فهل كان ذلك السبب وراء الإحالات المتسارعة الأخيرة  وبأي تهم تافهة لسجناء سياسيين؟.

يذكر أن إلغاء الطوارئ كان من بين المطالب الرئيسة في ثورة 25 يناير 2011،عقب خلع الراحل مبارك الذي ظلت فيه حالة الطوارئ 30 عاما، لكن تم فرضها مجددا بعد اقتحام مقر سفارة الكيان الصهيوني بالقاهرة في سبتمبر 2011، وجرى تجديد العمل بها حتى مايو 2012، أُعلن حينها رسميا إيقاف العمل بالطوارئ، في نهاية عهد المجلس العسكري.

وفي عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي، فُرضت مرة واحدة بمحافظات مدن قناة السويس في ذكرى ثورة يناير عام 2013 لمدة شهر.

وعاد فرض قانون الطوارئ مع تظاهرات رفض الانقلاب التي شهدتها البلاد عقب غدر الجيش بالرئيس المنتخب محمد مرسي، وجاء أول فرض لها مجددا في أغسطس 2013 في أعقاب مجزرتي فض اعتصامي رابعة والنهضة في عهد "المؤقت" عدلي منصور، وبقيت شهرا أيضا.

وفي عهد السفاح السيسي فُرضت حالة الطوارئ في سيناء لأول مرة نهاية 2014، واتسعت لتشمل كل أراضي الجمهورية منذ إبريل 2017، تحديدا بعد حادثة استهداف كنيستين بالإسكندرية وطنطا أسفر عن وفاة وإصابة العشرات.

حيث أصدر السفاح السيسي في 12 أكتوبر من العام 2017 قرارا وافق عليه مجلس الوزراء الانقلاب بإعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، بعد حادث هجوم الواحات البحرية الذي راح ضحيته 17 شرطيا.

ومنذ ذلك الوقت تم تمديد حالة الطوارئ بشكل منتظم، مع ترك مدة بسيطة كل 6 أشهر للتحايل على النص الدستوري الذي يمنع مد الطوارئ أكثر من 6 أشهر.

وفي يوليو الماضي أصدر السفاح السيسي القرار الجمهوري رقم 290 لسنة 2021 بمد حالة الطوارئ المعلنة في جميع أنحاء البلاد، لمدة ثلاثة أشهر، تبدأ اعتبارا من الساعة الواحدة من صباح يوم السبت الموافق الرابع والعشرين من يوليو عام 2021 ميلادية، وذلك بعد أن وافق عليه برلمان الدم.

 

سرُّ التوقيت

ثلاثة أسباب دفعت السفاح السيسي إلى إلغاء حالة الطوارئ في البلاد، الأول هو مرور عام بالتمام والكمال على ولاية الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي قال قبل ذلك إن أسلوب تعامله مع "الديكتاتور المصري" سيكون مختلفا عن الأسلوب الناعم الذي اتسمت به حقبة سلفه دونالد ترامب.

يعني مرور عام كامل من الفترة الأولى لولاية بايدن أن الإدارة الجديدة والفريق الجديد قاما بإعادة دراسة وترتيب الأوراق الداخلية والخارجية بشكل مقبول، بما في ذلك الاقتصاد والسياسات الصحية، والوعود الانتخابية، والتي يندرج ضمنها إعادة النظر في الموقف من عصابة الانقلاب بمصر.

كما هو معلوم، وكما أوضح الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في كتابه الأخير الذي وثق فصولا معتبرة من حقبتي رئاسته للولايات المتحدة؛ فإن واشنطن لأسباب كثيرة، براجماتية وإجرائية،  لا يمكنها إحداث تغييرات جذرية في سلوك نظام أحد أبرز حلفائها في المنطقة.

ولكن بمقدورها في نفس الوقت الضغط عليه وإزعاجه لتقديم بعض التنازلات الشكلية، التي قد تفيد في نزع فتيل الانفجارات قليلا، وهو ذروة ما يرتجى من الرئيس بايدن في هذا الباب، وهو ما يعلمه السفاح السيسي، الذي هرول للتعاقد مع شركة علاقات عامة خارجية جديدة لتحسين صورة نظامه في واشنطن بعد ساعات قليلة من فوز بايدن.

السبب الثاني أن إلغاء حالة الطوارئ ياتي بالتزامن مع استعداد عصابة الانقلاب لتدشين حقبة ما قرر السفاح السيسي أن يطلق عليها "الجمهورية الجديدة" وهو مُركّب وصفي مستعار من الرياض حليفة السفاح السيسي في الخليج، التي أطلق إعلامها الرسمي على حقبة تولي محمد بن سلمان ولاية العهد رسميا، والحكم بشكل ضمني، في البلاد "الدولة السعودية الجديدة".

بالإضافة إلى تصورات السفاح السيسي عن انتهاء دولة ما قبل يناير 2011 التي خضعت أمام الجماهير سريعا لصالح دول أخرى أكثر تماسكا هي دولة الثالث من يوليو ، والتي لا تستطيع أي هَبّة أو انتفاضة أو ثورة شعبية الوقوف أمامها.

في مخيلة السفاح السيسي، فإن الدولة الجديدة، كما صممها خلال الأعوام الثمانية الأخيرة، تقوم على عدة أعمدة، أو كلمات مفتاحية يمكن من خلالها تلخيص وجهة نظره في الحكم: الديون، والمشروعات القومية العملاقة والتفرد بالحكم وهيمنة الجيش على كافة تفاصيل الحياة.

وقدرة أكبر للدولة على توفير الخدمات العامة للمواطنين دون أي دعم، والتركيز على قطاعي المقاولات والطاقة دون غيرهما من القطاعات، والعداء الجذري لكل مظاهر الإسلام السياسي، والقضاء على معظم مشكلات عصر مبارك في أسرع وقت وبأي ثمن، وتبني سياسات خارجية أكثر تقاربا من كيان العدو الصهيوني، وتقريب ثلة منتقاة من رجال الأعمال إلى دوائر الحكم، وإعادة هيكلة الجهاز الإداري بما في ذلك الانتقال إلى العاصمة الإدارية.

المهم، أن تلك الجمهورية الجديدة، ولو رغما عن إرادة السفاح السيسي؛ فإنها تحتاج إلى بعض الترقيعات أو حبات الكريز فوق الكعكة، باستعارة من حقل الحلوى والمأكولات الترفيهية، شيء هو بمثابة ذر للرماد في العيون، حتى لا يقال إن الجمهورية الجديدة ينقصها شيء، عيب، الناس في الخارج ماذا تقول علينا؟.

وقد بدأت عصابة الانقلاب بالفعل، في الفترة الأخيرة، استدعاء بعض الوجوه القديمة، لإعادة لعب دور معين في الداخل، دور المعارض المأمون والأليف الخاضع للسيطرة والقابل للتوقع، بالتزامن مع الإفراج عن بعض الوجوه المعارضة، التي تحظى باهتمام غربي، من الصفين الثاني والثالث، بعد ما أنهكتها سنوات السجن وظروفه القاسية في السنوات الماضية.