وقت الانقلاب العسكري في مصر تصدرت روايات وأقاويل كان وراءها أجهزة سيادية ومخابراتية، وتنطلق من أجندة إقليمية ودولية، تؤكد أن السيسي لم يأتي للحكم من أجل الإخوان فقط، إنما له دور أكبر بالمنطقة والشرق الأوسط"، وهو ما تؤكده التطورات الحاصلة من حولنا، في السودان وليبيا وتونس، وفي فلسطين وغيرها من ملفات المنطقة الملتهبة.
فكما دعم السيسي المجرم القاتل خليفة حفتر في حربه ضد الشعب الليبي وأمده بالسلاح والمال والدعم اللوجستي والسياسي في مواجهة حرية الليبيين وحكومتهم الشرعية، تكرر ذلك الدور في تونس، وتابع العالم وجود ضباط مخابرات مصريين في قصر قرطاج يشرفون على تعذيب الوزراء والمسئولين التونسيين ومنهم رئيس الوزراء نفسه هشام المشيشيي محاولين فرض الأجندة الانقلابية التي تصوغ العوائق أمام استقرار الديمقراطية والتحول الديمقراطي في المنطقة، وعلى عكس دول العالم الرافضة لإجراءات قيس سعيد ضد الشعب التونسي أعلنت مصر تكرار ومرارا دعمها لإجراءات قيس سعيد وتحركاته الانقلابية، وفي فلسطين لم يتجاوز دور السيسي والنظام المصري عن كبح المقاومة الفلسطينية بفصائلها المختلفة من أجل حماية الكيان الصهيوني المغتصب للأراضي الفلسطينية، وجاء التدخل تلو التدخل لدعم سلطة عباس المتآكلة فلسطينيا في مواجهة حماس والجهاد والمشروع المقاوم، وتوالت الضغوط من أجل وقف الضربات الصاروخية التي وصلت لتل أبيب وأرعبت الكيان الصهيوني وأفشلت قبته الحديدية التي تستغيث حاليا لمدها بالأموال الأمريكية من أجل مواجهة مخاطر المقاومة الفلسطينية.
وفي السودان لا يغيب الدور المصري عن أي متابع من دعم المكون العسكري وتقوية شوكته على حساب المكون المدني والثورة السودانية، من أجل وقف التحول الديمقراطي في السودان الجار الأقرب لمصر.
مخالب مصر بالسودان
ووفق تقديرات إستراتيجية، لم يخرج الموقف المصري من التطورات في السودان، عن المتوقع، بعد اكتفاء بيان صادر عن وزارة خارجية الانقلاب بالحديث عن "أهمية تحقيق الاستقرار والأمن للشعب السوداني والحفاظ على مقدراته" غير أن هذا الموقف العام، الذي تلا أحداثا مفصلية تمثلت بانقلاب عسكري واحتجاز رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، قبل إعلان حل مجلس السيادة والحكومة، يعتبر امتدادا ونتيجة طبيعية لحالة من عدم الارتياح المصري تجاه رئيس الوزراء السوداني، والرغبة في إفشاله وإقصائه ، هو ومن يمثله من المكون المدني للسلطة الانتقالية بالسودان.
وهو ما نقلته مصادر دبلوماسية مصرية لوسائل إعلام عربية، بأن عبد الفتاح السيسي، وساعده الأيمن رئيس المخابرات العامة اللواء عباس كامل، أكدا في مناسبات سابقة خلال اجتماعات مع المسؤولين السودانيين والعرب وإسرائيليين، عدم ترحيبهما باستمرار حمدوك رئيسا للوزراء، وأوضحت المصادر أن ذلك، ليس فقط بسبب رغبة مصر في التعامل مع المكون العسكري وحده، وتحديدا مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي)، اللذين تجمعهما علاقة قوية بالسيسي، ولكن أيضا بسبب رؤية مستقرة بأن حمدوك مُقرّب من العواصم الغربية، وله أجندة تسمح بوصول قوى سياسية لا ترحب بها القاهرة إلى الحكم، فضلا عن وقوفه عائقا أمام بعض المخططات التي حاول النظام المصري الإسراع في تنفيذها مع المكون العسكري السوداني.
على رأس هذه المخططات المضي قدما في التطبيع مع إسرائيل، وهو موضوع نُوقش صراحة خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينت في سبتمبر الماضي إلى شرم الشيخ ولقائه السيسي هناك، حيث تطرق مع السيسي إلى حرصهما على تطوير علاقات إسرائيل مع السودان، كجزء من المشهد الجديد المراد للشرق الأوسط، وإجراء اتصالات متقدمة على مستويات عسكرية واستخباراتية واقتصادية، بمباركة من المكون العسكري في السلطة، على أن يتوازى ذلك مع وساطة منتجة يبذلها بينت للتقريب بين دولتي مصب النيل (مصر والسودان) وإثيوبيا في قضية سد النهضة.
والواقع أن مصر كانت تحاول دائما السيطرة على مسار التقارب بين السودان ودولة الاحتلال، ومرت هذه المحاولات بمحطات شد وجذب متتالية، بعدما رصدت في نهاية العام الماضي محاولة بعض قيادات المكون العسكري قطع أشواط في مسألة التطبيع من خلال الملف العسكري، بينما باقي الملفات ذات الطبيعة الاقتصادية والتنموية التي تديرها الحكومة، وترغب مصر في تركيز جهود التطبيع عليها ، ظلت الحركة فيها متباطئة إلى حد بعيد، نتيجة خلافات بين الحكومة والمجلس الانتقالي من جهة، وعدم سيطرة بعض الوزراء على حقائبهم بالصورة الكافية، وحاولت مصر جاهدة، من خلال اتصالاتها بالسودان وأجهزة الاحتلال، توجيه دفة التطبيع إلى الملفات التنموية التي يسهل لمصر الدخول فيها كشريك أو بصورة لصيقة ومباشرة، مثل التعاون الزراعي والتكامل الكهربائي، فضلا عن المشروعات التي سبق وتم النقاش حولها في مجال الطاقة واستكشاف إمكانيات المناطق الاقتصادية بالبحر الأحمر.
إلا أن حمدوك كان يقف حائلا دون المضي قدما في هذا المسار، تارة بالاعتراض الصريح على التطبيع من خلال الوزراء المقربين منه، وتارة أخرى بالدعوة إلى إرجاء اتخاذ مثل تلك المواقف، لما بعد انتخاب السلطة التشريعية، مع العلم أن حمدوك ناقض تصريحات سابقة له بشأن ضرورة قيام حكومة منتخبة قبل النظر بقضية التطبيع، بتوقيع حكومته على اتفاق أبراهام للتطبيع في يناير 2021.
أما الملف الآخر الذي أثار حفيظة المخابرات المصرية ضد حمدوك هو سد النهضة، فمن البداية كان واضحا اتجاهه للفصل بين الموقفين المصري والسوداني، بحيث يتم ضمان مصالح الخرطوم أولا، وفق مطالبات واضحة لم تكن ترفضها إثيوبيا في مرحلة ما قبل بدء الملء الأول في يوليو 2020. وبالتالي، عملت مصر جاهدة على دعم سيطرة المكون العسكري على الملف، من خلال ضخ المساعدات المالية والإنسانية وربطها بدعم الموقف المصري.
وخلال زيارات عباس كامل ومساعديه إلى الخرطوم، العام الماضي، أبلغهم أعضاء عسكريون بمجلس السيادة بعدم رضاهم عن إدارة حمدوك للملف، لكنهم في الوقت ذاته، وفي ظل ضبابية الموقف الداخلي، كانوا عاجزين عن اتخاذ خطوات جذرية للتغيير، فضلا عن رصد مخاوف لدى الحكومة المدنية والمسؤولين الفنيين بشأن لعب العسكريين وبعض السياسيين دورا لصالح مصر أو إثيوبيا على حساب المصالح السودانية الأصيلة في القضية، ما دفعهم لاتخاذ مواقف تعبر عن هذه المصالح وحدها، وفي الوقت ذاته كانت بعض القيادات العسكرية ترحب بشكل غير معلن، باستمرار التلويح بموقف حمدوك لاستغلاله لمطالبة مصر بتقديم المزيد إلى شقيقتها الجنوبية.
أما الملف الثالث المرتبط بحمدوك، فيتعلق بالأساس بطبيعة النظام المصري العسكرية، الذي يجد، راحة أكبر في التعامل مع المكون العسكري في السودان والمرتبط بعلاقات مع الإمارات وروسيا أكثر من العواصم الغربية المتمسكة ظاهريا بالتداول السلمي للسلطة وضخ دماء جديدة مدنية في نظام الحكم السوداني، الأمر الذي يهدد في الأوضاع المثالية ببناء نظام ديمقراطي سعى الجيش طويلا لتحاشي وجوده في مصر، في أعقاب ثورة 25 يناير 2011.
أصابع إسرائيلية
وبحسب صحيفة "يسرائيل هيوم" الاثنين، أفاد مصدر إسرائيلي انتقد موقف الموفد الأميركي إلى منطقة القرن الأفريقي جيفري فيلتمان، الذي اعتبر في تغريدة له أمس أن الانقلاب في السودان ليس مقبولا، ومن شأنه المس بالمساعدات الأميركية للسودان، وقالت الصحيفة إن "المصدر الإسرائيلي، الذي لم تسمه، قال إنه في ظل الوضع السائد في السودان، يجدر بالولايات المتحدة دعم الجيش وقائده عبد الفتاح البرهان، وليس رئيس الحكومة المدنية عبد الله حمدوك".
وبحسبه، فإن الانقلاب الذي نفذه البرهان "كان حتميا ولا يمكن تفاديه، فمنذ عدة سنوات ورئيس الحكومة من جهة، ورئيس مجلس السيادة من جهة ثانية، يدفعان باتجاهين متناقضين، وكان واضحاً أن الأمر سيصل إلى مرحلة حسم" وأضاف المصدر الإسرائيلي أنه على الرغم من أن الاثنين يدركان ضرورة تعزيز السودان علاقاته مع الغرب، فإن التطلعات الأميركية للديمقراطية مفهومة، لكن من بين الزعيمين، فإن البرهان هو من يميل إلى تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة ومع إسرائيل أكثر من حمدوك.
وبحسب المصدر الإسرائيلي، بما أن الجيش في السودان هو الأقوى في الدولة والبرهان هو القائد الأعلى للجيش، فإن التطورات التي وقعت تعطي فرصا لاستقرار أكبر في السودان، وهو استقرار ضروري للمنطقة، وأيضا لتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل على وجه التحديد.
ولفتت الصحيفة في هذا السياق إلى أنه على الرغم من أن السودان هو واحدة من الدول الأربع التي انضمت إلى اتفاقيات التطبيع مع دولة الاحتلال، المعروفة "باتفاقيات أبراهام"، فإنه لم يقم بخطوات فعلية، ولم يفتتح ممثلية له في إسرائيل، وأحد أسباب ذلك هو معارضة رئيس الحكومة عبد الله حمدوك للتطبيع مع إسرائيل.
من جهته، لفت باراك رافيد، المراسل السياسي لموقع واللاه الإسرائيلي، في مقابلة مع إذاعة "إف إم 103" في تل أبيب، إلى أن إسرائيل تلعب دورا مكثفا في السودان في العام الأخير، وحتى في الأسابيع الأخيرة، وأن هناك نشاطا كبيرا للسودان يشمل تعاونا علنيا لمساعد عبد الفتاح البرهان مع الموساد الإسرائيلي.
وقال رافيد إنه "خلال زيارة قام بها مؤخرا للولايات المتحدة قبل عشرة أيام برفقة وزير الخارجية الإسرائيلي يئير لبيد، سمع من مسؤول أميركي مطلع على النشاط الإسرائيلي في السودان أن واشنطن غير راضية إزاء ذلك، وبحسبه فإن إسرائيل تدعم الجناح العسكري في مجلس سيادة السودان، ولعبت دورا في التوتر بين جناح عبد الفتاح البرهان وبين رئيس الحكومة عبد الله حمدوك".
وقال رافيد إنه "ينبغي فحص ما يحدث هناك، فإسرائيل كانت فاعلة فيما يحدث في السودان عبر الموساد ومجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية، وتقف بوضوح إلى جانب العسكر، إذ أن نائب البرهان، الرجل الثاني في السودان، الجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي) يتعاون مع الموساد ويعمل معه علانية".
وقال إن "الأحداث الجارية في السودان تثير السؤال حول ما قامت به إسرائيل في الأسابيع الأخيرة في السودان ودورها في السياسة الداخلية هناك، خصوصا في ظل الغضب الأميركي من تدخل إسرائيل في السياسة الداخلية للسودان، وكرر أن هناك علامة استفهام كبيرة عما فعلته إسرائيل في السودان مؤخرا، ودورها في الانقلاب".
…وهكذا تتحول المنطقة العربية إلى بحيرة من الاستبداد والقمع العسكري ووأد لمحاولات الدمقرطة، انطلاقا من أجندة إسرائيلية مصرية إماراتية سعودية، تستخدم الأموال والمخابرات وأجهزة الاستخبارات، لتأليب الجيوش والحكومات والشعوب العربية بعضها على بعض من أجل الانتقال إلى نظم عسكرية تضمن التبعية والتخلف والانغماس في مشاكل الداخل على حساب التمدد الصهيوني والإماراتي بالمنطقة، فمن الجزائر إلى تونس وليبيا والسودان وبينهم اليمن وسوريا وباقي الدول بالمنطقة تقودها الهسكرتارية المتصهينة المصنوعة على أعين الغرب، لتبقي الشعوب العربية قيد الجهل والتخلف والقمع والكبت، بفعل عراب إسرائيل بالمنطقة وألعوبة الإمارات والسعودية ، عبد الفتاح السيسي.