يوم 25 أكتوبر 2021 أعلن عبد الفتاح السيسي أنه قرر عدم تمديد حالة الطوارئ المعمول بها في ظل حكمه منذ 2017 بدعوى أن مصر باتت واحة للأمن والاستقرار في المنطقة.
رغم أن توقيت القرار يبدو كأنه موجه للخارج وإدارة بايدن خصوصا في ظل محاولات يبذلها السيسي للقاء الرئيس الأمريكي أخرها محاولة لقائه في قمة المناخ بمدينة غلاسكو الأسكتلندية 31 أكتوبر 2021، إلا أن الإلغاء ذاته بلا قيمة، لأن السيسي نقل عقوبات قانون الطوارئ الاستثنائية خلال فترة حكمه الاستبدادية للقوانين العادية.
لذلك لا يبدو قرار إلغاء الطوارئ ذو أهمية من الناحية القانونية ولن يترتب عليه أي تحسن في حالة القمع والاعتقالات التعسفية والحبس الاحتياطي وخرق حقوق المصريين، كما يؤكد الحقوقيون، لأن السيسي قام عبر سلسلة قوانين بتقنين القانون العادي وتحويله لنظام الطوارئ.
الطوارئ أصبحت القانون
الطوارئ أصبحت هي القانون، لا العكس لأن السيسي قام بوضع سلسلة قوانين ونفذ تعديلات هائلة في القوانين ووسع صلاحيات المحاكم العسكرية والاستثنائية ما يعني أنه نقل كل حالة الطوارئ لتصير نظاما قانونيا، وباتت حالة الطوارئ هي الآن القانون.
الآن كل الانتهاكات تُقنن عبر السلطة القضائية التي تحولت إلى أداة تنفيذية ولا يوجد محتجز واحد حاليا تحت بند قانون الطوارئ، لذلك عدم تجديد حالة الطوارئ لا يغير شيئا من المشهد، كما يقول الباحث أحمد مولانا على حسابه على تويتر.
https://twitter.com/amawlana84/status/1452705068554334209
إلغاء حالة الطوارئ جاء بعد فرض قانون الحبس الاحتياطي وقوانين عديدة عن الإرهاب تجعل قيود الطوارئ وقتية بينما الأن أصبحت الطوارئ دائمة باسم القانون.
والمحبوسون حاليا تم حبسهم بموجب القوانين العادية التي تم إدخال مواد الطوارئ إلى صلبها، لذا لن يستفيدوا من إلغاء الطوارئ ولن يستفيد آلاف المسجونين من إلغائها.
المحامي ناصر أمين يفسر ذلك بأن كل النصوص الاستثنائية التي تبيح القبض والتفتيش والحبس دون التقيد بقانون الإجراءات الواردة في قانون الطوارئ قد تم نقلها إلى قوانين أخرى، وهي مازلت سارية ولا يتطلب تطبيقها إعلان حالة الطوارئ.
من ذلك قانون مكافحة الإرهاب وقانون الكيانات الإرهابية التي تعطي السلطة نفس الوسائل لمعاقبة وسجن المعارضين بدعاوى أنها تطبق القانون.
ويقول عمرو مجدي الباحث في منظمة هيومان رايتس وواتش إن "السيسي ألغى حالة الطوارئ نظريا، لكن عمليا هناك الكثير من التشريعات والممارسات التي طبعت حالة الاستثناء الأمني في مصر في السنوات الماضية ومن الصعب تخيل حدوث أثر إيجابي لإلغاء حالة الطوارئ في ظل تلك الممارسات والقوانين التي تؤبد فعليا حالة الطوارئ بشكل غير معلن.
18 عقوبة بالطوارئ وغيرها
بموجب الطوارئ كانت النيابة العامة تحيل بعض القضايا إلى محاكم أمن الدولة طوارئ، والجرائم التي أجاز القانون 162 لسنة 1958، للنيابة العامة إحالتها إلى محاكم أمن الدولة العليا، وهي تبلغ 15 جريمة، أضيف لها 3 جرائم أخرى لاحقا ليصبح عدد الجرائم التي تندرج تحت طائلة الطوارئ ويعاقب مرتكبها بالمحاكمة أمام محاكم أمن الدولة 18 جريمة.
كل هذه الجرائم تم تفصيل قوانين لها في القوانين العادية التي جرى تعديلها، كما أن من أُحيلوا للمحاكمة أمام أمن الدولة أو صدرت أحكام غاشمة لا تقبل الطعن ضدهم منها لن يستفيدوا من إلغاء الطوارئ.
فالمادة 19 من قانون الطوارئ تنص على أنه عند انتهاء حالة الطوارئ تظل محاكم أمن الدولة مختصة بنظر القضايا التي تكون محالة عليها وتتابع نظرها وفقا للإجراءات المتبعة أمامها.
أما الجرائم التي لا يكون المتهمون فيها قد قُدموا إلى المحاكم فتحال إلى المحاكم العادية المختصة وتتبع في شأنها الإجراءات المعمول بها أمامها.
بموجب قانون الطوارئ، فإنه بمجرد إعلان حالة الطوارئ يتم اتباع منظومة قضائية خاصة، تتمثل في محاكم أمن الدولة الجزئية للجنح ومحاكم أمن الدولة العليا للجنايات.
أي استمرار تلك المحاكم في نظرها دون أي تغيير في إجراءات النظر وعدم جواز الطعن والتصديق وغيرها.
كما يكون للسيسي جميع السلطات السابق ذكرها تفصيلا بالنسبة للأحكام التي صدرت من محاكم أمن الدولة قبل إلغاء حالة الطوارئ ولم يتم التصديق عليها، وكذلك الأحكام التي تصدر من هذه المحاكم بعد ذلك.
أي أن الأحكام الصادرة من تلك المحاكم بعد إلغاء حالة الطوارئ تظل تتطلب تصديق السيسي عليها، كما يملك رفض التصديق وتقرير إعادة المحاكمة فيها.
وقال المحامي ومستشار السيسي محمد بهاء أبو شقة في لقاء مع عمرو أديب إن "تداعيات القرار ستشمل فقط أولئك الذين لم يحاكموا بعد أمام محاكم أمن الدولة الخاصة لم تجرِ مقاضاتهم بعد ففي مثل هذه الحالات، سيحال المتهمون إلى المحاكم العادية".
تصنيف السجناء
وقدم المحامي الحقوقي طارق العوضي، في بث مباشر على صفحته في فيسبوك، مساء الاثنين إجابات عن الأسئلة التي تراود أسر السجناء السياسيين وأهاليهم، بتوضيح أهمية القرار بناء على تصنيف السجناء السياسيين إلى نوعين: النوع الأول هم المحالون على محاكم أمن دولة عليا طوارئ أو جنح أمن دولة طوارئ أو الصادر ضدهم أحكام من محاكم أمن الدولة عليا طوارئ ما زالت في مرحلة التصديق أو رُفض التصديق عليها وإعادة المحاكمة.
وقال العوضي إن "هؤلاء لن يستفيدوا بأي حال من الأحوال من قرار إلغاء مد العمل بقانون الطوارئ، وسيخضعون للمحاكم الاستثنائية التي تُصدر حكما واحدا لا يقبل المعارضة أو الاستئناف أو النقض، ولا يلغيه إلا التظلم إلى الحاكم العسكري، وهو رئيس الجمهورية أو من يفوضه".
أوضح أن هذا النوع من السجناء سيظل مطبقا عليهم قانون الطوارئ، رغم إلغاء العمل به، بمعنى أن إلغاء القانون لا يعني إلغاء محاكم أمن الدولة عليا طوارئ.
ومع ذلك، فقد أبدى العوضي تفاؤلا بالطعن على أحكام أمن الدولة عليا طوارئ لاحقا، ولا سيما أن قانون الإرهاب وقانون الطوارئ يشوب بعض موادهما شبهة عدم الدستورية".
أما النوع الثاني من السجناء السياسيين ممن سينتفعون من هذا القرار، فهم المحبوسون احتياطيا على ذمة قضايا دون أن يحالوا على المحاكمة أو المُخلى سبيلهم على ذمة قضايا سياسية، فهذا النوع الثاني من السجناء السياسيين سيُحالون على المحاكم العادية الخاضعة لقانون الإجراءات الجنائية، وسيُطعَن في تلك الأحكام من خلال النقض وإعادة الإجراءات والمعارضة والاستئناف فيما يتعلق بالجنح.
وقد فسر المحامي الحقوقي، خالد علي بعض مواد قانون الطوارئ المُلغى، لتوضيح موقف السجناء السياسيين في مصر.
وقال، في منشور على صفحته في فيسبوك، مساء الاثنين، إن "القضايا التي ما زالت في التحقيقات ولم تصدر النيابة قرارا بإحالتها للمحاكمة عندما تحال بداية من الغد تكون المحاكمة أمام القضاء العادي وليس أمن الدولة طوارئ، أما القضايا التي صدر بشأنها قرارات حتى تاريخ اليوم بإحالتها للمحاكمة أمام الطوارئ، فتظل محاكم أمن الدولة طوارئ هي التي تنظرها، وينطبق عليها قانون الطوارئ رغم إنهاء حالة الطوارئ اليوم"
وأكد "على" أن "نفس هذه القاعدة الأخيرة تنطبق على القضايا التي رفض الحاكم العسكري التصديق على الأحكام الصادرة فيها، وقرر إعادة محاكمتها سوف تتم إعادة المحاكمة أمام محاكم الطوارئ ووفقا لإجراءات قانون الطوارئ، مشيرا إلى أن بعض هذه النصوص ما هو مطعون عليه أمام المحكمة الدستورية للفصل في مدى مخالفتها للدستور من عدمه"
تاريخ سيء
لحالة الطوارئ تاريخ طويل في مصر بدأ منذ عام 1914 أيام الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الأولى، ثم بين عامي 1939 و1943 إثر الحرب العالمية الثانية.
ثم بعد دخول الجيش المصري في حرب فلسطين، وفي يناير 1952، عقب أحداث حريق القاهرة.
لكنها أصبحت حالة شبة دائمة في ظل حكم العسكر الذي بدأ منذ عام 1952، واستمرت حتى ثورة يناير 2011 ثم أُلغيت ليعيدها السيسي إبريل 2017 ويجددها كل ثلاثة أشهر بعد الهجوم على كنيستَين بطنطا والإسكندرية.
ومنذ سَّن قانونها في 1958 جرى تطبيق حالة الطوارئ أربع مرات بشكل كامل في أنحاء البلاد لأكثر من نحو نصف قرن إجمالا، بالإضافة إلى مرتين في نطاق جغرافي محدد، لأسباب تنوعت بين الحرب واغتيال رئيس وفض اعتصامين وتفجيرات إرهابية.
تطبيق كلي 4 مرات
- في إبريل 2017 وقع تفجيران انتحاريان تبناهما تنظيم داعش الإرهابي، واستهدفا كنيستين شمالي مصر، إحداهما المقر البابوي خلال احتفالات مسيحية بأسبوع الآلام، وأسفرا عن 45 قتيلا و125 جريحا، حسب إحصائية رسمية.
وآنذاك أعلن السيسي حالة الطوارئ للمرة الرابعة في تاريخ البلاد لمدة ثلاثة شهور بكل أنحاء البلاد، وذلك بعد 50 عاما من استخدام هذا القانون للمرة الأولى.
وعقب 17 مد لحالة الطوارئ آخرها في يوليو الماضي لمدة 3 شهور قرر السيسي الاثنين إلغاء المد.
- في نوفمبر 2013 قرر المؤقت عدلي منصور إعادة العمل بالطوارئ لمدة شهر في أنحاء البلاد، بعد أن جرى مدها مرة واحدة لمدة شهرين عقب فض اعتصامَي ميدانَي رابعة العدوية ونهضة مصر في القاهرة يوم 14 أغسطس 2013، إثر سقوط قتلى وجرحى واندلاع أعمال عنف.
- في 31 مايو 2012 أوقف المجلس العسكري الحاكم آنذاك خلال الفترة الانتقالية العمل بحالة الطوارئ في أنحاء البلاد. وجاء ذلك بعد 31 عاما من تطبيقها إثر اغتيال الرئيس محمد أنور السادات (حكم بين 1970 و1981) في 6 أكتوبر 1981.
واستمرت حالة الطوارئ هذه في عهد خلفه الرئيس الراحل محمد حسني مبارك (1981-2011) تحت أسباب عديدة، بينها مواجهة الإرهاب.
- في مايو 1980 ألغى السادات تحت ضغوط سياسية العمل بحالة الطوارئ بعد 13 عاما من إعلانها من سلفه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر (حكم بين 1956 و1970)، في 5 يونيو 1967، فيما عُرف بـ "النكسة".
وكانت هذه أول مرة يُطبق فيها قانون الطوارئ الصادر في 1958، وذلك إثر احتلال إسرائيل شبه جزيرة سيناء قبل أن تحرر مصر معظمها في حرب 1973.
تطبيق جزئي
وبخلاف تطبيقها أربع مرات في أرجاء البلاد كافة، جرى إعلان حالة الطوارئ في نطاق جغرافي محدد لمرتين.
- في يناير 2013 أعلن الرئيس المصري آنذاك محمد مرسي (2012-2013) إعادة العمل بقانون الطوارئ جزئيا لمدة شهر، بسبب أحداث شغب في المحافظات الثلاث المطلة على قناة السويس (شمال شرق)، وهي السويس والإسماعيلية وبورسعيد.
- في أكتوبر 2014 خلال عهد السيسي جرى إعلان حالة الطوارئ جزئيا في محافظة شمال سيناء إثر هجوم إرهابي مزدوج قُتل فيه أكثر من 30 جنديا ومُدّت الحالة من حينها كل 3 شهور، وآخر قرار مدّ كان في يناير 2017.