بإعطاء عبد الفتاح السيسي الضوء الأخضر لرفع سعر رغيف الخبز المدعم، والحديث المُسرّب عن رفعه بنسبة 300% من 5 قروش إلى 20 قرشا، سوف يرتفع عدد من يُلقي بهم النظام تحت خط الفقر بنسبة 5% على الأقل بحسب خبراء الاقتصاد.
نسبة المصريين تحت خط الفقر بلغت وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يوليو 2018 إلى 32.5% مقارنة بـ 27.5% في 2015.
ورغم حديث وزارة التخطيط بحكومة الانقلاب عن تقلص النسبة إلى قرابة 30% (29,7%) في عام 2020، ينتظر أن تقفز النسبة إلى ما بين 35 و37%.
مقابل هذا سيظل السيسي ينعم باللعب بعجلته التي يصل سعرها إلى 40 ألف جنيه بما يعادل 200 ألف رغيف، ويستمر بناء القصور الرئاسية الجديدة في العاصمة الإدارية والعلمين دون أن يسأله أحد كم فرن عيش يمكن بناؤه بأموال هذه القصور والمنتجعات الفاخرة؟
وحذرت مستشارة رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، هبة الليثي، من أن "رفع أسعار الخبز يهدد ما بين 4-5% من المصريين بالسقوط تحت خط الفقر، بعد أن كان يحميهم دعم الخبز فقط، والذي يُشكل جزءا من الاحتياجات الأساسية وعلى رأسها الطعام، وهي النسبة نفسها التي ذكر الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أنها حُميت من الفقر بفضل الدعم الغذائي".
وقالت في تصريحات صحفية إن "بند الطعام يبتلع نصف إجمالي نفقات الأسرة المصرية الواقعة في الشريحة العشرية الأقل في الدخل (30 ألف جنيه سنويا للأسرة) وذلك بحسب بيانات بحث «الدخل والإنفاق» لعام 2017-2018".
وبافتراض أن الحكومة ستُزيد سعر الخبز خمسة قروش فقط، ليصبح سعر الرغيف عشرة قروش، فإن الإنفاق على بند الطعام سيرتفع بنسبة 2.5% عند الـ 10% اﻷقل دخلًا من المصريين، والتي يبلغ نصيب الفرد من الدخل فيها 595 جنيها شهريا، يُنفق نصفها على الطعام، أي ما قيمته 45.8 جنيها، ستصبح 53.3 جنيها كتكلفة على الفرد بعد الزيادة المُفترضة، وتزيد للضعف لو ارتفع إلى 20 قرشا لما يروج اتحاد الغرف التجارية الموالي للسيسي.
وتنتج مصر، المستهلك الأكبر للقمح عالميا، حوالي 121 مليار رغيف مدعوم سنويا، يستفيد منها 67 مليون مواطن يحصل كل منهم على خمسة أرغفة يوميا، بإجمالي مخصصات دعم للخبز تبلغ حوالي 45 مليار جنيه، وفقا للبيان المالي لموازنة العام الحالي 2020/2021.
الخبز خط أحمر
ولم يستطع رؤساء مصر على مر العقود مجرد الاقتراب من ملف زيادة أسعار الخبز. ويرجع السبب في ذلك إلى مدى حيوية سلعة الخبز للشعب المصري الذي يُطلق عليه "عيش" ككلمة مشتقة من العيش أو المعيشة، وهي تعكس أن الخبز يمثّل "الحياة" للمصريين.
على مدار 33 عاما نجا رغيف الخبز البلدي من قرارات رفع الدعم الحكومي التي طالت السلع الحيوية كافة في مصر، إذ لم يرتفع سعر الخبز في مصر منذ عام 1988، حين رُفع حينها إلى 5 قروش.
أشهر محاولات رفع الدعم عن الخبز كانت عام 1977، عندما أقدم الرئيس الراحل أنور السادات على رفع سعر الخبز بنسبة 50%، مما أسفر عن الأحداث الأعنف والأكثر درامية في مصر على مدار ما يزيد على نصف قرن، منذ ثورة الضباط الأحرار عام 1952 إلى ثورة يناير 2011.
وانتفض المصريون عام 1977 ضد رفع سعر الخبز في ما يُعرف بـ"انتفاضة الخبز"، إذ اندلعت اشتباكات عنيفة بين المواطنين وقوات الشرطة، وأضرم المحتجون وقتها النيران في عدد من المرافق ومراكز الشرطة، وراح ضحية الأحداث عشرات القتلى، وآلاف من المصابين والمعتقلين.
وكانت الحكومة المصرية قررت عام 1984 رفع سعر رغيف الخبز المدعم إلى قرشين، وتلا ذلك زيادة أخيرة عام 1988 حينما ارتفع سعره إلى 5 قروش، وفقا لبيانات سابقة لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري.
ومنذ ذلك الحين ظلّ سعر الخبز خطا أحمر لم تجرؤ أي من الحكومات المتعاقبة على المساس به، ويأتي هذا على الرغم من ارتفاع هائل في الأسعار نتيجة لنسبة التضخم العالية التي تعاني منها البلاد منذ سنوات.
وكان عبد الفتاح السيسي نفسه أقر بعدم المساس بسعر الخبز، حينما صرح عام 2016 قائلا "سعر رغيف الخبز لم ولن يُمَسّ".
وتجنبا لـ"انتفاضة خبز" جديدة، أقدم نظام الانقلاب في أغسطس من العام الماضي على خطوة تخفيض وزن رغيف الخبز بدلا من رفع سعره، إذ خُفِّض وزن الرغيف الواحد من 110 جراما ليصل إلى 90 جراما، وكان هذا القرار وقتها كفيلا بإثارة جدل واسع في الشارع المصري.
مباشرةعقب تصريحات السيسي بشأن نيته رفع سعر رغيف الخبز، تصدّر هاشتاج "إلا رغيف العيش" موقع تويتر بمصر.
ويستفيد نحو 66.7 مليون فرد من دعم رغيف الخبز.
التلاعب بأرقام الدعم
تكشف المعلومات التي يعلنها السيسي وأعوانه تلاعبهم بالأرقام المتضاربة حول مخصصات الدعم، فرغيف الخبز المدعوم على بطاقات التموين لا يكلف خزانة الدولة 65 قرشا، مقابل بيعه بـ 5 قروش فقط، لأنهم قللوا وزنه من 130 جراما إلى 110 ثم 90 حاليا.
ويبلغ دعم الخبز والسلع التموينية في موازنة الدولة للعام المالي 2021-2022 نحو 87.2 مليار جنيه، وهو البند الأخير في منظومة الدعم الحكومية للمواطنين، عقب تحرير أسعار بيع المنتجات البترولية والكهرباء والغاز الطبيعي ومياه الشرب؛ استجابة من الحكومة لاشتراطات صندوق النقد الدولي، للحصول على قروض من الصندوق بلغ إجماليها 20 مليار دولار تقريبا خلال السنوات الخمس الأخيرة.
ويمثل رغيف الخبز المُكوّن الغذائي الأساسي لنحو 80% من المصريين، والذين تحاصرهم الأزمات المعيشية من كل جانب، في وقت يرى فيه المواطن أن رغيف الخبز المدعوم لا يصلح للاستخدام الآدمي، نتيجة تردي حالته في جميع المخابز، وانخفاض وزنه إلى أقل من 80 غراما؛ بمباركة من مفتشي وزارة التموين الذين يمرون على الأفران، ليس للتفتيش على أصحابها، لكن للحصول على الرِشَى المالية، وفقا لمراقبين.
ومنذ تولي وزير التموين الحالي منصبه في فبراير 2017، وهو ينفذ خطة عاجلة بتوجيهات من السيسي لإلغاء الدعم، بدأت بالتعسف في قيد المواطنين والمواليد الجدد في البطاقات التموينية، والحذف العشوائي لملايين المقيدين، وإلغاء التعامل بالبطاقات الورقية، وتخفيض حصص المخابز لما يتراوح بين النصف والثلث، وما ترتب على ذلك من توقفها عن صرف الخبز للمواطنين، وخروج الآلاف منهم في تظاهرات متفرقة في القاهرة ومحافظات عدة.
والخبز هو أول مطلب نادى به المصريون في ثورة 25 يناير 2011، حين هتف الملايين من الثائرين ضد نظام الرئيس المخلوع الراحل حسني مبارك "عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية" ولطالما شهدت مصر عبر تاريخها انتفاضات واحتجاجات شعبية واسعة بسبب زيادة أسعاره.
وتجنبت الحكومات المصرية المتتالية بعد الثورة المساس بأسعار الخبز، لا سيما المدعم منه، على وقع الاحتجاجات التي أودت في بعض الحالات بحياة مواطنين في معارك أمام منافذ بيعه؛ مع العلم أن مصر لا تنتج أكثر من 40% من احتياجاتها من القمح، وتعتبر أكبر مستورد لهذه السلعة في العالم، إذ أنها تستورد نحو 12 مليون طن سنويا مقابل 3 مليارات دولار.
لكن مع قفز السيسي إلى الحكم بالانقلاب طبقت الحكومة سياسات مؤلمة للفقراء ومحدودي الدخل، خصوصا عقب الاتفاق مع صندوق النقد في نوفمبر 2016، على تطبيق برنامج اقتصادي تضمن تحرير سعر صرف الجنيه، ما أفقد العملة المصرية نحو 70% من قيمتها أمام الدولار، وأفقر المصريين فضلا عن زيادة ضريبة القيمة المضافة، وغيرها من الإجراءات التي فاقمت الغلاء.