في تقارير سابقة رصدنا الرعاية الأمريكية لانقلاب 3 يوليو، وكيف حرَّض الأمريكان السيسي والجيش على الانقلاب على النظام الديمقراطي الوليد سواء جون كيري وزير الخارجية خلال زيارته في مارس 2013م، أو الخط الساخن بين تشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكي مع جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي والذي وصل إلى أكثر من مائة اتصال كان بعضها يستغرق ساعات. كما رصدنا التحريض السافر الذي قام به مايكل فلين الذين كان يشغل رئيس وكالة المخابرات الدفاعية الأمريكية، والذي زار القاهرة في ربيع 2013م قبل الانقلاب بأسابيع والذي برر تحريضه على الانقلاب بأنه لا فرق بين الإخوان وتنظيمات القاعدة وداعش، وهي ذات التصورات التي يروج لها السيسي لتبرير جرائمه في مصر.
في الأيام الأولى للانقلاب التزمت الولايات المتحدة الأميركية الصمت، لكنها راحت تعبر ليس فقط عن قبول الانقلاب واغتصاب السلطة بأداة غير دستورية وغير ديمقراطية، بل الترحيب به باعتباره حماية للمسار الديمقراطي؛ فعندما زار كيرى القاهرة بعد الانقلاب أدلى بتصريح صادم مدعيا أن "الجيش المصري سيعيد تأسيس الديمقراطية"!. وهو ما مثَّل في مضمونه وتوقيته ضوءا أخضر جديدا للسيسي وأجهزته الأمنية بسفك دماء الآلاف والزج بعشرات الآلاف في السجون.
وفي إجراء آخر يبرهن على النفاق الأمريكي، خرج المتحدث باسم البيت الأبيض جي كارني ليُعبِّـر عن رفض الولايات المتحدة توصيف ما حدث في مصر بأنه انقلاب عسكري وبرّر ذلك بقوله: "إن الرئيس مرسي لم يكُن يحكُم بطريقة ديمقراطية وأن ملايين المصريين خرجوا للشوارع والميادين مطالبين بعزله وهُم يرون أن مساندة الجيش لهم، لا تشكِّـل انقلابا". وقرّرت إدارة أوباما إرجاء اتِّخاذ قرار بشأن توصيف ما حدث في مصر، وأن تراقِـب جهود السلطات المصرية لصِياغة عملية ديمقراطية شامِلة في الفترة الانتقالية. وأقرّ المتحدِّث باسم البيت الأبيض بأن إدارة أوباما ستأخُذ الوقت اللاّزم للتوصّل إلى ذلك التوصيف، بطريقة تتَّـسِـم بالمسؤولية وتخدِم الأهداف البعيدة المدى للولايات المتحدة، وبالتالي، لن تتَّخِـذ قرارا بشأن تعليق المساعدات الأمريكية لمصر في الوقت الرّاهن.
ثالثا، جاء التعبير الأوضَح عن التحوّل في موقِف واشنطن مما حدث في مصر، على لسان المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية جين بساكي: "لم تكن حكومة مرسي تشكِّل حُكما ديمقراطيا، وخرج حوالي 22 مليون مصري للتّعبير عن آرائهم وإظهار أن الديمقراطية ليست مجرّد الفوز في صناديق الاقتراع".غير أنها أعربت عن القلق من استِمرار عمليات الاعتِقال والاحتِجاز السياسي، التي تستهدِف جماعات مُعيّنة، مُنبِّـهة إلى أنها تجعل من الصّعب تجاوُز الأزمة السياسية في مصر.
رابعا، سُـرعان ما اتّخذت إدارة أوباما قرارا يُجسِّـد عمليا تغيير موقِفها المُتردِّد ويُـزيل الشكوك حول مستقبل المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر في مرحلة ما بعد الانقلاب. وقررت واشنطن المُضي قُـدما في تسليم القاهرة أربع طائرات إف-16، كما كان مُقرّرا قبل انقلاب الجيش وتدخله في الصراع السياسي، وذلك تنفيذا لخُطة تُـقدّم من خلالها واشنطن عشرين طائرة مُقاتلة من هذا الطراز لسلاح الطيران المصري، ضمن برنامج المساعدات العسكرية. ومن جديد، برّر المتحدث باسم البيت الأبيض القرار بأن إدارة الرئيس أوباما رأت أنه لن يكون من مصلحة الولايات المتحدة إدخال أيّ تغيير فوري على برنامج المساعدات الأمريكية لمصر.
المكاسب الأمريكية
هذه المواقف تؤكد أن السياسة الأمريكية لا تقوم على أسس "أخلاقية" بقدر ما تقوم على ارتباط وثيق بالمصالح، ويبدو هذا واضحا من الدور الذي لعبه جون كيري في إقناع الرئيس أوباما بأن ما جرى في مصر ليس انقلابا، قبل أن يبرر موقفه هذا في وقت لاحق بكون الولايات المتحدة بحاجة إلى السعوديين والإماراتيين والإسرائيليين من أجل أولويات أخرى، وأنه لم يكن يرغب "في الدخول معهم في مشاكسة حول أمر يتضح من التاريخ أنه الطريقة التي تعمل بها مصر".
بانقلاب السيسي حققت واشنطن عدة مصالح، أبرزها تأسيس نظام عسكري جديد شديد الحرص على الإذعان للأوامر والتوجيهات الأمريكية وضمان حماية المصالح الأمريكية وعلى رأسها، أمن "إسرائيل" بل اعتبارها حليفا وثيقا وتطوير التعاون الأمني والاقتصادي بين القاهرة وتل أبيب بصورة لم يشهدها عصر حسني مبارك الذي كان يوصف بكنز إسرائيل الإستراتيجي. وجاء السيسي ليدهش الجميع في هرولته نحو "إسرائيل" وحرصه على تطوير العلاقات معها في شتى المجالات.
ثانيا، تمكنت واشنطن من خلال رعاية السيسي وانقلابه من تطوير العلاقات الأمنية والعسكرية والتوقيع على اتفاقية ««CISMOA في يناير 2018م، والتي تجعل من الجيش المصري تابعا وقت الحروب والعمليات للجيش الأمريكي، وهي اتفاقية خاصة بتوافق أنظمة الاتصالات العسكرية الأمريكية مع الدولة الموقعة على الاتفاقية و مذكرة أمنية. كما أن اتفاقية CISMOA تنص على أن يتم توليف أنظمة الاتصالات العسكرية بين القوات الأمريكية و الدولة الموقعة و السماح للقوات الأمريكية بالحصول على أقصى مساعدة مُمكنة من الدولة المُوقِّعة من قواعد عسكرية و مطارات و موانئ و أيضا الاطّلاع و التفتيش على المعدات العسكرية لضمان عدم قيام الدولة بنقل التكنولوجيا الأمريكية لطرف ثالث. كما «تسمح الاتفاقية بربط أنظمة الاتصالات بين القاهرة وواشنطن والدفاع عن الأراضي المصرية عسكريا لو حصل اعتداء عسكري عليها. وفي حالة الحرب تطلب أمريكا من مصر الدعم العسكري والإمداد واستخدام القواعد العسكرية المصرية تمركزا لعملياتها، وتكون قوات مصر العسكرية تابعة للقيادة المركزية الأمريكية “CENTCOM“».
تنازلات الانقلاب
هذه الاتفاقية التي رفضت مصر لعقود التوقيع عليها لأنها تمثل انتهاكا فاضحا للسيادة المصرية. ويمثل التوقيع عليها إقرارا بتحولات كبرى في عقيدة الجيش المصري من اعتبار "إسرائيل" العدو الإستراتيجي إلى اعتماد ما يسمى بالإرهاب هو العدو الإستراتيجي مع ما يترتب على هذه التحولات من آثار ونتائج. ولذلك احتفل قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال Votel بتوقيع الاتفاقية واعتبرها تتويجا لأكثر من ثلاثين عاما من الجهود لتعزيز الأمن والتعاون في مكافحة الإرهاب. وأن مصر تدعم الطلبات الأمريكية في التحليق ، وتضمن عبور القوات الأمريكية قناة السويس ، وتشارك واشنطن التزامها بهزيمة داعش. مؤكدا أن في شهادته أمام SASCMajority، أن “مصر تبقى مرساة للمصالح الأمريكية في المنطقة”.
ثالثا، تم إجهاض المسار الديمقراطي ووأد الروح الثورية التي أطلقتها ثورة 25 يناير وإضعاف الحركات الإسلامية وحصار المقاومة الفلسطينية والتي تمثل العدو الأول للكيان الصهيوني في المنطقة، بالتزامن مع ذلك جرى تطوير أنشطة التطبيع وتدشين حملات الدعاية عبر السينما والدراما والفضائيات من أجل القبول بالكيان الصهيوني باعتباره "دولة طبيعية" وليس كيانا احتلاليا استيطانيا، وتم تدشين تحالف عربي ضخم يتكون من مصر والسعودية والإمارات والبحرين بهدف حماية المصالح الأمريكية وعلى رأسها حماية أمن "إسرائيل" والتطبيع معها والقضاء على ثورات الربيع العربي ونسف أي مسار ديمقراطي لما يمثله ذلك من خطورة كبيرة على أمن الكيان الصهيوني.