شكل انقلاب 2013، الذي أسقط ديمقراطية مصر الوليدة وأعاد نظام عسكر كامب ديفيد، خطورة على المصريين أكثر ما شكلته نكسة 67 وكارثة سد النهضة، وكشف وجه جنرالات كامب ديفيد المتصهينين.
ومنذ ما يقرب من ثماني سنوات، وقع في مصر انقلاب عسكري بغطاء مدني ضد حكم ديمقراطي جاء نتيجة انتخابات حرة، لم يكن قد استمر في الحكم غير عام واحد؛ من فترة رئاسية كان من المفترض أن تستمر لمدة أربع سنوات، حسب الدستور في ذلك الوقت.
بالطبع كان المقصود من هذا الانقلاب والتمثيلية التي صاحبته في 30 يونيو، هو الخلاص من حكم ديمقراطي حقيقي باختيار شعبي بزعامة الإخوان المسلمين، ممثلا في الرئيس الشهيد محمد مرسي رحمه الله.
استدراج للشعب
تمثيلية 30 يونيو تم حبكها بشكل كبير، لدرجة أنها استدرجت عددا من الوطنيين لأداء أدوار فيها، مثل من قال إن 30 يونيو موجة جديدة من موجات “ثورة” 25 يناير، وهي كانت في الحقيقة مجرد استدراج للمصريين حتى يدخلوا الجحر العسكري من جديد.
الشهيد مرسي يعد أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا في تاريخ مصر، حيث تولى حكم البلاد بعد أول انتخابات رئاسية في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، ولم يستمر حكمه أكثر من عام واحد، حين غدر به انقلاب عسكري عام 2013 بزعم الاستجابة لاحتجاجات شعبية.
وبعد الغدر العسكري، ظل الشهيد مرسي محتجزا في قاعدة عسكرية مجهولة، وظهر علنا للمرة الأولى مع بدء محاكمته في نوفمبر 2013، وتم وضعه في قفص زجاجي عازل للصوت لمنعه من الحديث دون إذن، وصدرت بحقه 3 أحكام نهائية، في هزليات “أحداث الاتحادية” و”التخابر مع جهات أجنبية” و”إهانة القضاء” بمجموع 48 عاما.
وتداول رواد مواقع التواصل أبرز مقولات الرئيس الشهيد وعلى رأسها كلمات خطابه الأخير قبل الانقلاب: “ليعلم أبناؤنا أن آباءهم وأجدادهم كانوا رجالا، لا يقبلون الضيم ولا ينزلون أبدا على رأي الفسدة، ولا يُعطون الدنيَّة أبدا من وطنهم أو شرعيتهم أو دينهم”.
كما تداولوا كلماته عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، ودفاعه عن غزة في مواجهة القصف الإسرائيلي، وبيت الشعر “بلادي وإن جارت علي عزيزة.. وأهلي وإن ضنوا علي كرام” الذي كان آخر كلمات الدكتور مرسي في المحكمة يوم وفاته.
كما نشر عدد من النشطاء والسياسيين مواقف مختلفة للرئيس الشهيد، أثبتت نظافة يده ولسانه وقلبه، وتفانيه في خدمة أمته، وثباته على الحق في كل مواقفه، ما أدى إلى التخلص منه بهذه الطريقة، بمن فيهم عدد من معارضيه السابقين.
آخر ما قاله الشهيد محمد مرسي قبل وفاته خلال جلسة محاكمته: “لديّ أسرار كنت طلبت من المحكمة جلسة سرية لأفصح عنها والمحكمة رفضت، فلن أبوح بهذه الأسرار حتى مماتي حرصا على أمن البلاد وسيادتها”.
وقبيل ساعات من إعلان اغتيال الشهيد مرسي، كان وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد يجتمع مع السفاح عبد الفتاح السيسي، حيث يشترك الطرفان بمعاداة التيار السياسي الذي ينتمي له الرئيس الشهيد.
وكانت دولة الإمارات تكنّ العداء الشديد لنظام مرسي، حيث أكدت تقارير عديدة وشخصيات قيادية دعم أبوظبي لانقلاب السفاح السيسي، الذي كان حينها قائدا للجيش، وفور إعلان السفاح السيسي بيان انقلابه على مرسي، يوم الثالث من يوليو 2013، غرد بن زايد مزهوا قائلا: “مبروكة يا أم الدنيا”.
النكسة وضياع النيل
تصدر نهر النيل قائمة ضحايا جرائم انقلاب 30 يونيو 2013، بعد أن قدمه السفاح السيسي ثمنا لاعتراف إفريقي، من بوابة إثيوبيا، بشرعية انقلابه، وإنهاء تعليق عضوية مصر في الاتحاد الإفريقي، الرافض لمنطق الانقلابات العسكرية.
واستقبلت إثيوبيا السفاح السيسي للحصول على توقيع اتفاقية 2015 “إعلان المبادئ”، والتي لا تختلف عن رحلة أنور السادات إلى القدس المحتلة، للاعتراف بكيان العدو الصهيوني مغتصبا إلى الأبد أرض فلسطين.
السفاح السيسي والسادات طلبا لمجد شخصي زائف، مهووسين بالعظمة والصور التذكارية، وكما ذهب خمر لقب “بطل الحرب والسلام” برأس أنور السادات، اشتعل رأس السفاح السيسي بجنون عظمة ما أسبغه عليه الاعلام.
أذعن جنرال الخراب أمام الحلم الحبشي بسد النهضة، وقدم صك الاعتراف المجاني بالسد الذي يضع مصر في فوهة العطش، تماما كما منح السادات صك الاعتراف بالعدو الصهيوني، مخرجا مصر من معادلة الصراع، وبانيا سدا شاهقا بينها وبين محيطها العربي.
أوجه الشبه بين كامب ديفيد السادات وإعلان مبادئ السفاح السيسي كثيرة ولا تحتاج لمزيد من الأدلة على أن السفاح السيسي وضع قضية نهر النيل بتصرف واشنطن، يشهد على ذلك استغاثة سفير الانقلاب بالولايات المتحدة لتمنح مصر حصتها من المياه، حتى رق قلب المتحدث الإقليمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية، صامويل وربيرج، وقال إن بلاده لن تترك 100 مليون مصري بدون مياه!