انتشرت جرائم القتل داخل الأسر المصرية بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الماضية، فأصبح الأخ يقتل أخاه، والابن يقتل أباه وأمه، والزوج يقتل زوجته وأولاده بسبب الجوع والفقر وعدم القدرة على سترهم بعدما تدهورت الأوضاع الاقتصادية وهبط عشرات الملايين من المصريين إلى تحت خط الفقر وانتقل ملايين إلى دائرة البطالة والبحث عن فرصة عمل.
اليوم يقبع نحو 60% من المصريين في الفقر بحسب تقديرات البنك الدولي، كما أن الأوضاع الاجتماعية والتعليمية لا تقل سوءا عن الاقتصادية؛ فالتعليم فرغ من محتواه ومناهج الدراسة تعمل على تهميش الشخصية وإبعادها عن القيم والتقاليد العربية بل والمعتقدات والثوابت الإسلامية، وهكذا أصبح المجتمع المصري يعيش فى مستنقع من الفوضى وتحولت البيوت إلى ساحات عنف وإراقة دماء، تعددت أشكالها ما بين قتل أحد الزوجين للآخر، أو أحد الأبناء أو جميعهم، أو أحد الوالدين.
الإحصاءات تشير إلى ارتفاع مخيف فى نسبة الجرائم فى النطاق العائلي، فوفقا لآخر تصنيف لقاعدة البيانات العالمية «نامبيو»، الخاص بتصنيف الدول حسب معدلات الجريمة، جاءت مصر فى المرتبة الثالثة عربيا، والـ24 عالميًا. وكشفت دراسات بجامعة عين شمس أن جرائم القتل الأسرى فى مصر تُشكل من ربع إلى ثلث إجمالى جرائم القتل وهو معدل ضخم للغاية. و أكدت دراسة للمركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية أن نسبة 92% من هذه الجرائم تتم بدافع العرض والشرف نتيجة الشك وسوء الظن والشائعات، فضلًا عن أن العامل الاقتصادي من بين أبرز أسباب تضاعف معدلات القتل العائلي، لما أحدثه من مشكلات اجتماعية خطيرة.
البناء الأخلاقي
حول أسباب هذه الجرائم، قال الدكتور على عبد الراضي، استشاري نفسي، أن هناك عددا من التدخلات طرأت خلال الفترة الأخيرة على سلوك المجتمع المصري أدت لظهور جرائم عنيفة التي لم تكن موجودة من قبل. وحمَّل عبدالراضى فى تصريحات صحفية، مؤسسات الدولية عن مسئولية انتشار هذه الجرائم بتلك الصورة المرعبة خصوصا وزارة الثقافة تليها المؤسسة الدينية ثم الإعلام، والسينما والمسرح، مؤكدا أن هذه المؤسسات من المفترض أن تعمل على تشكيل ما يسمى بـ«الوعي المجتمعي»، أو «الغرس الثقافي»، وهى مسئولة عن كل ما يتم تقديمه وتناوله من أعمال درامية وسينمائية.
وأشار إلى أن الأعمال الدرامية أو السينمائية التي يتم تقديمها تشجع على أعمال العنف وتساهم فى انتشاره، لافتا إلى أن هناك دراسة تشير إلى أن أكثر من 95% من الأعمال الدرامية التي تقدم على الفضائيات فيها شكل من أشكال الجريمة والعنف والبلطجة والتعديات على قيم المجتمع أو انتهاك قيمه، والرغبة في الثراء السريع.
وأوضح عبدالراضى أن كل تلك الأمور تُشكل في وعي المواطن «اللامبالاة» وتجعله يرى مشاهد القتل والعنف أو البلطجة «أمور عادية جدًا» معربا عن أسفه لأن الأخطر هو الجيل الجديد من المواد المخدرة مثل: «الأستروكس، الشبو، الفودو»، التي ابتلي بها المجتمع المصري في الفترة الأخيرة.
انهيار وتصدع
وأكد أنه حسب دراسة بجامعة عين شمس تبين أنه مع حلول 2030 سيكون هناك 4 من كل 5 أفراد متعاطين مواد مخدرة، موضحا أن المواد المخدرة هي السبب الرئيسي في التفكك الأسري فضلًا عن أنها تُحدث حالة من التبلد في المشاعر العاطفية، بأن يرتكب الشخص الجريمة بدم بارد، كما أنها تزيد من حالة السيكوباتية المجتمعية التي تجعل المجتمع أكثر عنفًا.
واعتبر عبدالراضى أن التكنولوجيا الحديثة تعد مشكلة أكبر؛ لأن المجتمع لم يضع معايير أخلاقية لوسائل التواصل الاجتماعي، وهو الأمر الذي تنتج عنه مشاكل خطيرة، فتجد على «التيك تك» من يقدم محتوى هزلي به ابتذال ليحصل على «لايكات وشهرة» غير المهرجانات فهذه الأشياء جعلت المعايير المجتمعية للقيم والأخلاق تتناقص.
وتابع: هكذا ضربة وراء ضربة في البناء الأخلاقي والقيم الثقافية والرقي الاجتماعي يحدث له تآكل وانهيار وتصدع فينتج عنه الكثير من الجرائم الأسرية التي يشهدها المجتمع.
ثقافة الصورة
وقالت الدكتورة سوسن فايد استاذ علم النفس السياسي والاجتماعي بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، أن المجتمع المصري يعاني من ضغوط في أكثر من ناحية منها: الاقتصادية، وأزمة القيم التي تحمي المواطن والمجتمع، فمن الممكن أن يكون المرض النفسي انتشر وأصبحت له معدلات أعلى مما سبق، فضلًا عن وجود عامل آخر مهم جدًا هو «الإدمان»، غير الميديا والتي تُظهر صورة الدم والعنف بشكل متكرر، بحيث يستقر في وجدان المواطن، ويبدأ يتجرأ على الجريمة؛ لأن ثقافة الصورة لها دور كبير في أن يقوم بالفعل من غير قرار وتلقائيًا لأن عينه أخذت على العنف والدم.
وحملت د. سوسن فى تصريحات صحفية، المؤسسة الدينية مسئولية ما يحدث موضحة أن القيم المعنوية الرفيعة والتسامح وضبط النفس ومنع الغضب كل هذه الأمور مهمة؛ ودور المؤسسة الدينية أن تعمل على ترسيخها داخل وجدان المصريين.
وأشارت إلى أن الاهتمام بالطقوس والعبادات والشكل في حد ذاته ليس هو الدين، لكن الدين له ضمير وروح مختلفة عن الطقوس، فضلًا عن أنه مهم أن تكون هناك مساحة من الإعلام لتظهر تفسيرات وتأويل الأحاديث والآيات القرآنية، مؤكدة أن المواطن المصري بطبيعته ميال للدين فتقديمه له يعطيه فرصة بدلًا من أن يستقيه من جهلة.
وتابعت: عندما يكون شخص يعاني من مرض نفسي ويتعاطي أي نوع من أنواع الإدمان ويشاهد الميديا بشكل مستمر فيها العنف والدم فضلًا عن غياب القيم؛ كل ذلك مع التنشئة الاجتماعية التي يكون فيها عنف والتي يشب فيها الطفل ميالا للعنف، عندما تتشابك كل هذه العوامل تخلق مناخًا مهيئأ له ليرتكب أبشع الجرائم.