من هم الإرهابيون.. الإخوان الذين انتخبهم الشعب أم عصابة العسكر؟

- ‎فيتقارير

بعد أشهر قليلة من النجاح الانتخابي الساحق في أجواء من الديمقراطية والشفافية والفوز بأعلى منصب في مصر "رئاسة الجمهورية" بإراد الشعب الحرة منتصف عام 2012، أعاد الانقلاب العسكري الأسود في 30 يونيو 2013 الشعب المصري إلى المربع صفر، وصنف جماعة «الإخوان المسلمين» كمنظمة إرهابية في أكتوبر 2013م في أعقاب تفجير مديرية أمن الدقهلية الذي ثبت في 2014م أن أجهزة السيسي الأمنية هي المتورطة فيه بحسب تصريحات مدير المخابرات السابق خالد التهامي لصحيفة المصري اليوم والتي تسببت في عزله من الجهاز بعد نشر الجريدة للخبر بيوم واحد فقط.
وفي أعقاب الانقلاب العسكري صادرت عصابة العسكر نحو 1200 من مؤسسات المجتمع المدني التابعة للجماعة أو لأفراداها، فضلا عن آلاف الشهداء والمعتقلين، ولم يعد أمام الجماعة إلا مقاومة هذا الانقلاب في مناخ عسكري دموي يتسم بالإقصاء والمكارثية.
خاض الانقلاب العسكري في مصر معركته ضد الرئيس الشهيد محمد مرسي والإخوان ومعهم كل مؤيدي الشرعية باختلاف انتماءاتهم منذ 3 يوليو 2013 تحت شعار "مصر تحارب الإرهاب"، وقد أصبحت العبارة جزءا من شاشة إعلام العسكر وجرى تعميمها بصيغ مختلفة على كافة القنوات الفضائية الخاصة، لكن هذه الصيغ جميعها تتبني إستراتيجية "الحرب على الإرهاب" وفرض "حالة الاستثناء". السؤال هو: هل سياسات "الحرب على الإرهاب" التي تبناها الانقلاب العسكري دفعت جماعة الإخوان المسلمين الرافضة للانقلاب إلى تبني خيار العنف أم أنها حافظت على سلميتها؟

عسكر خونة
في 14 أغسطس 2013 قامت القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بفض اعتصام رابعة والنهضة بالقوة المفرطة القاتلة وأتبعتها بعمليات ملاحقة واعتقال واسعة لأعضاء جماعة الإخوان وحلفائهم طالت معظم أعضاء مجلس "الشورى" الذي يتكون من 120 عضوا ومكتب "الإرشاد" المكون من 18 عضوا، وشملت قيادات من الصف الثاني والثالث في جميع المحافظات، وقامت باعتقال معظم القيادات البارزة في حزب "الحرية والعدالة" التابع للجماعة.
لم يجار الغرب والخارج الانقلاب العسكري ويسمي جماعة الإخوان المسلمين جماعة ارهابية، مع العلم أن هذا الغرب نفسه داعم أساسي للانقلاب، بل إنه حتى الآن يحتج على ما فعلته عصابة الانقلاب عندما زعمت بأن الإخوان جماعة إرهابية، ولم تقبل الدول الأوروبية تصنيف الإخوان في مصر كحركة إرهابية، مما يدل أنه تصنيف مرفوض عالميا، أما إذا كانت الرسالة للصف الإخواني فهو يعرف نفسه جيدا، ويدرك أن هذه الدعوة راشدة وتقوم على احتضان المسلمين بالمودة والتقدير والحب، وأنها دعوة سلمية تنبذ العنف وتواجهه.
يقول الناشط عمرو محمود :" اللي عزل (الملك فاروق) الجيش بقيادة الظابط محمد نجيب"، واللي عزل"محمد نجيب ظابط جيش اسمه"جمال عبد الناصر" ومسك مكانه بمساعدة الظابط "عبد الحكيم عامر"، واللي قتل عبد الحكيم عامر ظابط الجيش جمال عبد الناصر"، مسك بعده ظابط الجيش"أانور السادات" وقتله ظابط الجيش"خالد الإسلامبولي، ومسك بعده ظابط الجيش"حسني مبارك" عزله ظابط الجيش"حسين طنطاوي"، ومسك بعدهم الرئيس الوحيد اللي جه بانتخابات حرة "محمد مرسي" عزله ظابط الجيش "عبفتاح السيسي" ومسك مكانه، وراح بعض المصريين سايبين كل ولاد الـ…. دول ومسكوا في مرسي وجماعتة وبيقولوا عليهم إرهابيين!
ويقول الناشط محمود أبو العلمين: "بدأنا منذ عدة سنوات بحوادث القطارات، ولم ينصلح حال المنظومة بعد ذلك، بل استمرت وأشد. واليوم بدأنا بحوادث السفن في القناة، فهل سنُعد للأمر عُدته؟! أم سنحتاج الهولندي مرة ثانية وثالثة؟ طبعاً الإجابة معروفة؛ فالله عندما يريد هدم بلد يُسلط عليها عسكرها العملاء الخونة".

ديكتاتورية جديدة
وبعد ثماني سنوات منذ انقلاب 30 يونيو 2013 سالت فيها الدماء أنهارًا، وصُودرت الأموال والحريات، هل احترمت عصابة الانقلاب قيم الحرية والديمقراطية واحترام الدستور وسيادة القانون وحق الشعوب وحقوق الإنسان؟ أم أن ما جرى ما هو إلا تكريس لديكتاتورية العسكر التي بدأت سنة 1954م وتكبيل حرية الشعب للخضوع لمرحلة من العبودية لحكم الجنرالات الفسدة؟
والسؤال الأهم: هل بعد ما خُلي بين العسكر وبين السلطة في مصر والهيمنة على مقدراتها هل انصلحت الأحوال؟ ثم من الذي أوصل البلاد إلى ما وصلت إليه خلال ستين عامًا؟ ثم خلال السنة والنصف من أوائل 2011م حتى منتصف 2012م، والثماني سنوات الأخيرة؟ ألم يعترف السفاح عبد الفتاح السيسي نفسه بأن "الجيش لو نزل إلى الشارع فلا تتكلم عن مصر إلا بعد أربعين سنة؟"!
ألم يقل السفاح السيسي إن "أيدينا تقطع ولا تمتد على مصري"، ألم يقل إن "الجيش ليس لمكافحة الإرهاب؛ لأنه أداة قتل وقد رفضنا ذلك في التسعينيات ولن يكون؟ ألم يقل إن "مشكلة سيناء لا تحل أمنيًّا وإلا حدث مثلما حدث في جنوب السودان، ثم خرج يطلب تفويضًا لمواجهة ما أسماه الإرهاب المحتمل؟!
ذلك التفويض الذي منحه لنفسه فكان ذلك إيذانًا لمرحلة القتل والترويع في مذابح رآها الجميع، ووصفتها منظمة العفو الدولية بأنها أبشع مجازر في تاريخ مصر الحديث، وتم تسخير الإعلام لتمزيق النسيج الوطنى وإثارة الأحقاد والكراهية والدعوة لاستئصال المخالفين، وتسخير القضاء ليكون ذراعًا من أذرع الظلم؛ حيث حكم على الآلاف من الطلاب والشباب والنساء بالسجن لمدد تصل إلى 17 عامًا وغرامات كبيرة لمجرد التظاهر، ودائرة الاعدامات التي امتدت تذبح الشباب والشيوخ وكانت بدايتها الحكم بإعدام 529 شخصًا في محكمة استمرت يومين في 24‏/03‏/2014م.

من هم الإرهابيون بحق؟
أليس العسكر هم الذين انقلبوا على الدستور والقانون وأطاحوا بالرئيس المنتخب بإرادة الشعب الحرة؟ ألم ينسفوا بانقلابهم المسار الديمقراطي الوليد بعد ثورة 25 يناير 2021م؟ ألم يرتكبوا عشرات المذابح الجماعية خلال المرحلة الانتقالية بعد خلع مبارك كما حدث في مجلس الوزراء ومحمد محمود وماسبيرو والعباسية؟ ألم يقتلوا الآلاف في فض اعتصامي رابعة والنهضة في أغسطس 2014م؟ ألم يعتقلوا ظلما عشرات الآلاف حتى اليوم بتهم ملفقة؟ ألم يقتلوا الرئيس المنتخب بإرادة الشعب الحرة وتركوا يموت بالإهمال الطبي المتعمد خلال محاكمة صورية بالغة الظلم والطغيان؟ ألا يواصلون القتل والاغتيالات في الشوارع حتى اليوم؟ ألم يتعهد رئيس عصابة الانقلاب بعدم تقديم أي ضابط للمحاكمة أو المحاسبة إذا أصاب أو قتل متظاهرين؟
وبالمقابل تخصص قضاء الانقلاب الذي يديره العسكر في تبرئة كل الفاسدين، ناهيك عن إصدار قرارات بقوانين تهدر مقدرات ومصالح الوطن من قبيل التنازل عن ممتلكات الدولة بالمجان، وآخر بإسناد الأعمال بالأمر المباشر، وإسقاط الضرائب عن ممتلكات عصابة العسكر الاقتصادية.
في المقابل، كان الإخوان قد قطعوا شوطا كبيرًا في قضية الانتقال من التصور الأيديولوجي لشكل الدولة إلى تصور مدني، وتجاوزوا في هذا الانتقال خطاب الأزهر الشريف والمؤسسة الدينية الرسمية، وما قدمه الإخوان في قضية المواطنة يبدو بالغ الدلالة؛ إذ تبنوا التأسيس الشرعي لها متقدمين علي الخطاب الديني الرسمي السائد.
ولقد تعاقبت على جماعة الإخوان المسلمين تاريخيًا أطوار وتقلبات عديدة، وقد حافظت كحركة على نهجها الإصلاحي السلمي، وتمكنت من الصمود رغم تعرضها للمحاصرة والملاحقة، وطوّرت من خطابها ونهجها المتعلق بالشأن السياسي والاجتماعي. وحسمت الجماعة خياراتها تجاه الديمقراطية والتعددية والمواطنة من خلال مبادرة الإصلاح التي أصدرتها الجماعة في شهر مارس عام 2004؛ إذ بدا واضحًا انشغال الجماعة بالشأن الداخلي.
ولعل الحملة الإعلامية الراهنة التي تستهدف شيطنة الإخوان المسلمين واستئصالهم وتصويرهم على أنهم "إرهابيون" تبدو عديمة الفائدة، ويمكن أن تكون ذات نتائج معاكسة؛ فهي تقدم للإخوان المسلمين "خدمة مجانية" لزيادة دعمهم والتعاطف معهم من جانب عموم الشعب، ولا غرابة والحالة هذه أن العديد من الإسلاميين غير المنتمين للإخوان المسلمين قرروا الانضمام إلى الاحتجاجات ضد الانقلاب العسكري.
إن الإستراتيجية العسكرية والأمنية التي مورست لاستئصال جماعة الإخوان المسلمين وفق تكتيكات "مكافحة التمرد" أثبتت عدم نجاعتها تاريخيًا؛ فقد تعرضت الجماعة لحملات مماثلة عام 1954 إبان حكم عبد الناصر، التيار الأساسي في الجماعة تمسك بخيارات الإصلاح والديمقراطية والسلمية، وقدم رؤية مغايرة من خلال المرشد الثاني للجماعة في كتاب "دعاة لا قضاة" ترفض تكفير المجتمع والخروج على الحكام واستخدام القوة للتغيير.

لاشك بأن جماعة الإخوان المسلمين تواجه اليوم تحديًا أكبر من السابق، فهي تتعرض لحملة أقسى وأشد من سابقاتها، فقد وجدت في محنتها إبان حكم عبد الناصر ملاذات آمنة في دول أوروبية وعربية عديدة وفي مقدمتها الدول الخليجية التي احتضنتها لأسباب عديدة وفي مقدمتها تثبيت شرعيتها في مواجهة المد القومي الناصري، أما محنتها الراهنة فهي تخوضها وحيدة دون سند في محيط معاد يدعم استبعادها من الحكم والسلطة ويخشى من نجاحها وتمكينها.
وعلى الرغم من تعقيدات المرحلة و"المحنة" وتقلص الخيارات والسيناريوهات فإن الجماعة لا تزال قادرة على الحشد والتعبئة وجلب الأنصار، وتؤكد على التمسك بخيارات النضال السلمي، وعدم الوقوع في مستنقع الحرب الأهلية، وهي تتبنى نهجًا يعتمد على السلمية وليس المغالبة العسكرية.