أكد مصدر بهيئة السكة الحديد أن تصريحات رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي ووزير النقل الفريق كامل الوزير، تعني إغلاق ملف حادث تصادم قطاري سوهاج الذي وقع ظهر الجمعة 26 مارس 2021م والذي أدى إلى وفاة 32 مواطنا وإصابة نحو 165 آخرين وفقا لإحصائيات حكومية. وبحسب المصدر فإن الهدف هو عدم تحميل المسئولين بوزارة النقل والهيئة مسئولياتهم السياسية عن الحادث، وتمثل تمهيدا لحصر المسئولية على صغار الموظفين والسائقين.
وكان رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي قد وجه بإكمال ما أسماه بمخطط «التحديث الجذري الشامل» لمرفق السكة الحديد على مستوى الجمهورية. وهو ما تبعه وزير النقل الفريق كامل الوزير بالاعتذار عن حادث تصادم قطاري سوهاج، وطالب الوزير المواطنين بالصبر والتحمل لحين الانتهاء من تطوير المرفق قائلا: «استحملونا لحد ما نخلص التطوير عشان نوديكم أشغالكم وما نقفلش السكة الحديد»، مضيفًا أن الدولة رصدت 225 مليار جنيه لتطوير السكة الحديد في مصر، وأن وزارته تحاول المواءمة بين متطلبات التشغيل والتطوير. ولم ينس الوزير، في مؤتمر صحفي، اليوم، مطالبة المواطنين بالتصدي للباعة الجائلين والتوقف عن التهرب من دفع التذكرة وإلقاء الحجارة على القطارات، حتى يستنى للوزارة تطوير المرفق.
وأوضح المصدر الذي رفض ذكر اسمه بحسب موقع “مدى مصر” أن الربط بين عدم اكتمال تطوير مرفق السكك الحديد والحادث هو أمر يخالف الحقيقة، مضيفًا أن جرار القطار المكيف رقم 2011 هو جرار روسي دخل الخدمة قبل بضعة شهور، والأمر نفسه بالنسبة لبرج الإشارة الذي وقع الحادث بالقرب منه بمنطقة طهطا بمحافظة سوهاج، ما يعني، بحسب المصدر، أن الحادث هو ناتج عن سوء إدارة تستوجب محاسبة جميع المتسببين فيه، بدايةً من سائق القطار وحتى وزير النقل ورئيس هيئة السكك الحديد ونائبه لشؤون التشغيل.
وكان وزير النقل قد أعلن في 20 ديسمبر الماضي(2020)، تطوير إشارات السكة الحديد بمنطقة طهطا باستبدال النظام الكهربائي القديم فيها بآخر إلكتروني حديث لمتابعة القطارات لحظة بلحظة، وتزويد المزلقانات بأجراس وأنوار وبوابات أوتوماتيكية للحد من الحوادث وتحقيق الأمان للمركبات، موضحًا أن النظام الجديد يتيح لسائق القطار الاتصال بمراقب التشغيل في حالات الطوارئ أو الأعطال المفاجئة. ولفت المصدر إلى أنه عقب الحادث ترددت أنباء داخل الهيئة عن عزم رئيسها، أشرف رسلان، ونائبه لشؤون التشغيل، سامي عبدالتواب، التقدم باستقالتيهما، غير أن تلك الأنباء اختفت تمامًا بعد حديث السيسي الأخير.
وأكد المصدر أنه من الناحية الإدارية، عبدالتواب، الذي يصل سن التقاعد بعد خمسة أيام، هو المسؤول الأول من قيادات الهيئة عن الحادث، لافتًا إلى أن رئيس الهيئة أرسل لوزير النقل قبل الحادث طلبًا للتجديد له عامًا آخر في الوظيفة، ولكن بعد الحادث من المتوقع ألا يتم اعتماده.
حادث تصادم قطاري سوهاج ظهر الجمعة 26 مارس جاء بعد شهرين فقط من حديث السيسي، ومعه الوزير، عن إعادة إصلاح جذرية تحدث لمنظومة السكك الحديدية في مصر كلها. وفي انتظار الانتهاء من عملية الإصلاح، تظل حوادث القطارات أمرًا معتادًا في مصر، فبلغ عددها 1863 حادثة خلال 2019 فقط، وهو عدد منخفض عن العام الذي سبقه. وفي المقابل، ارتفعت قسوة حوادث القطارات إلى 42.4 متوفيًا لكل 100 مصاب في 2019 (مقابل 34.3 متوفيًا لكل 100 مصاب عام 2018)، وذلك بحسب النشرة السنوية لحوادث السيارات والقطارات لعام 2019، والتي نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء منتصف العام الماضي.
ووقع الحادث في تمام الساعة 11:42 دقيقة، حيث اصطدم القطار المكيف رقم 2011 (الأسباني) والقادم من أسوان باتجاه القاهرة، بمؤخرة القطار المميز رقم 157 القادم من الأقصر باتجاه الإسكندرية والمتوقف على السكة الحديد، مما نتج عنه تحطم العربة الأخيرة من القطار المميز وانقلاب العربتين اللتين تليها، وانقلاب جرار القطار المكيف وعربة القوى، ووقوع وفيات وإصابات بسبب الحادث. وبث أحد العالقين بالقطار المميز بث مباشر عبر صفحته في فيسبوك يستغيث «الحوقنا الناس بتموت القطر اتقلب بينا في سوهاج»، وهو ما تلاه اتهام هيئة سكك حديد مصر في بيان لها «مجهولين» بالقطار المميز 157 بفتح بلف الخطر لبعض عرباته، ما أدى لتوقفه، تزامنًا مع مرور القطار الآخر المكيف 2011 فاصطدم به، رواية الهيئة قابلها النائب العام بمطالبته جميع الجهات «الحكومية» بعدم إصدار أي بيانات أو تصريحات عن أسباب الحادث لحين انتهاء التحقيقات.
وكان النائب العام، حمادة الصاوي، قد أمر في بيان أصدره في الواحدة من صباح السبت 27 مارس 2021م، بعد معاينته موقع الحادث بنفسه، بسرعة سؤال سائقي القطارين ومساعديهما، ومسؤول لوحة تشغيل برج المراقبة، وعامل المزلقان الذي وقع حادث القطار أمامه، وإجراء تحليل المواد المخدرة لكل منهم، والتحفظ على هواتفهم المحمولة لفحصها وفحص سجل المحادثات عبرها، إلى جانب سماع شهادة المسؤولين بالهيئة.
كما تضمنت قرارات الصاوي، ندب لجنة خماسية من المهندسين المختصين بالهيئة الهندسية للقوات المسلحة والمكتب الاستشاري بالكلية الفنية العسكرية وأحد أعضاء هيئة الرقابة الإدارية المختصين قانونًا، لفحص القطارين، وأجهزة التشغيل والسلامة فيهما، وخاصة أجهزة التوقف والتحكم الآلي التحديث الجذري الشامل «البلف» ونظام DEAD MAN DEVICE، إضافة إلى أجهزة غرفة التحكم بالإشارات الموجودة ببرج المراقبة الخاص بأقرب محطة، والإشارات الضوئية المنظمة للسير «سيمافور»، وبيان مدى صلاحية خطوط السكك الحديدية.
وهو ما يتفق مع التشكيل الذي وجه السيسي، الحكومة بتشكيله، يوم السبت لدراسة أسباب الحادث وتحديد المسؤولين عنه، مع فارق وحيد، أن اللجنة الحكومية تضم ممثل لكلية الهندسة إلى جانب العسكريين.
كان آخر الحوادث الكبيرة قبل حادث سوهاج في أواخر فبراير 2019 بعد اصطدام جرار أحد القطارات برصيف «محطة مصر» بميدان رمسيس في القاهرة نتيجة دخوله المحطة بسرعة فائقة، مما أدى إلى انفجار الجرار ونشوب حريق هائل أسفر عن مقتل 22 شخصًا. وقبلها بأقل من عامين، تسبب اصطدام قطارين في الإسكندرية في مقتل 41 شخصًا.
وفي معظم الحوادث ينتهي التفسير إلى إلقاء اللوم على «خطأ فردي»، أو مثلما هو الحال في حادثة سوهاج؛ اتهام مجموعة من المجهولين. لكن فحص الأسباب الحقيقية للحادث يشير إلى مشاكل أكثر هيكلية تسمح لهذه الأخطاء بأن تتحوّل إلى كارثة تودي بحياة العشرات. كما يرجع أحد الأسباب الرئيسية لتكرار حوادث القطارات إلى فشل أنظمة الأمان الموجودة لتدارك الحوادث والأخطاء ومنعها من التحوّل إلى كارثة كهذه، بحسب تقرير نشره «مدى مصر» بعد حادثة محطة رمسيس قبل عامين.