لم تجرم سلطات العسكر منذ انقلاب عبد الناصر وحتى انقلاب السفاح السيسي الخوض في الدين والاستهزاء بالمقدس أو بالذات الإلهية؛ بل روجت لذلك وفتحت المجال للكتاب ومنتجي الأفلام والسياسيين وغيرهم، وعلى فترات متقطعة ربما أوقعت العقوبة على احدهم من باب ذر الرماد في العيون، أما من خاض في العسكر نقدا او تشكيكا فالقانون له بالمرصاد، والزنزانة بانتظاره أو الاعدام أيهما أقرب.
النموذج الأقرب لهذه الأوضاع شديدة الفجاجة هو الكاتبة الراحلة نوال السعداوي التي أفنت قلمها ومحاضراتها ومنتجها الفكري كاملا في التهجم على شرع الله بل ودخلت دائرة الخوض في الذات الإلهية، لكنها لم تجد قانونا يمنعها من ذلك أو سلطة ترفع لها "كارت" أحمر.
تقول الناشطة زهرة اللوتس: "في مصر مسموح لك تهري وتستهزأ في الدين وتغلط في الذات الإلهية ويقولك حريه تعبير وغير مسموح لك تنتقد وتقول رأيك في الذات السيساوية".
ويقول الكاتب السعودي تركي الشلهوب: "تلك التي يقولون عنها نصيرة المرأة ضد الزواج وضد التوزيع الذي أقره الله للميراث وتدعو إلى تعدد أزواج المرأة أسوة بالرجل.. هي ليست نصيرة للمرأة، هي عدوة للفطرة".
آلهة قريش!
وربما يشفع للراحلة نوال السعداوي ومن على شاكلتها عند العسكر أنها كانت من كهنة بلاطهم، يقول الكاتب الصحفي عبد الله الطحاوي :" آخر ما علق بذهني من أقوال نوال السعداوي هو تصريحها بأنها رأت هيلاري كلينتون في ميدان التحرير، حينما كانت توزع الدولارات على الثوار. لم تسعد السعداوي بثورات الشعوب لم تتلبس بتصريح من أجل سجينات الرأي، تحرير الجسد لا تحرير الشعوب هي الفكرة التي عاشت من أجلها".
وليست السعداوي وحدها من خاضت في الذات الإلهية؛ بل تلاها السفاح السيسي خلال كلمة سابقة له خلال الاحتفاء بالمولد النبوي، عندما قال :" اللي هيقدر على ربنا يقدر علينا"، الصحفية خديجة الشريف علقت بالقول: "السيسي بيقول اللي هيقدر على ربنا يبقى يقدر علينا.. السيسي يساوي نفسه برب العالمين! إنا لله وإنا إليه راجعون، هل يكمل المصريون يومهم بشكل عادي والسيسي يتطاول على الذات الإلهية! أي خير تنتظرون".
وغردت الإعلامية ريم ماجد: "السيسي يعلو بالأنا إلى درجة تقمص الألوهية، إن شاء الله نهايته هتكون كنهاية فرعون مصر وسيخسف به الله الأرض".
وسخرت مي محمود: "السيسي: الإسلام خطر على العالم ولا بد من تجديد الخطاب الديني والاستعانة بعلماء النفس والاجتماع والتدبير المنزلي والشيف شربيني"، وعلقت غادة المصري: "معنى أني أحط نفسي في مقارنة بيني وبين ربنا (عز وجل) ده اسمه السفه بعينه ارحمنا يا رب من العته وأصحابه".
ووافق برلمان الدم في عام 2017 على مشروع قانون تقدّم به "ائتلاف دعم مصر"، الظهير البرلماني للسفاح السيسي، لتشديد عقوبة إهانة الجنرال القزم، وسخرت ناشطة في وقتها على هكذا ومحاولة منع معارضة الجنرال السفاح بأي شكل، متسائلة: "فاكر نفسك الرسول"؟
وتضمن المشروع استبدال نص المادتين 179 و184 من قانون العقوبات؛ إذ تنص المادة 179 في القانون الجديد على أنه: "يُعاقب كل من أهان رئيس الجمهورية بالحبس مدة لا تقل عن 24 ساعة، ولا تزيد على ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه، ولا تزيد على مئة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين".
ونصت المادة 184 على أنه "يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه، ولا تزيد على مئة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أهان أو سب بإحدى الطرق المتقدم ذكرها مجلس النواب أو غيره من الهيئات النظامية أو الجيش أو المحاكم أو السلطات أو المصالح العامة، أو أي رمز من رموز الدولة المصرية".
ومن جهتهم، قال نشطاء إن الغرض من هذا التعديل القانوني هو الحد من ظاهرة السخرية من قائد الانقلاب، والجنرالات والوزارات، ومنع التحدث عنهم بما لا يريدونه، بزعم إهانتهم.
وسبق أن أصدر الرئيس المؤقت الذي عينه العسكر عقب الانقلاب الدموي، عدلي منصور، تشريعا ينص على الحبس والغرامة لكل من أهان العلم ورئيس الجمهورية، لكن برلمان السفاح السيسي توسع في الأمر، وغلَّظ العقوبة، ووسَّع دائرة العقوبات، لتشمل إهانة الجنرال القزم أو رئيس مجلس النواب أو رئيس الوزراء، أو أحد رموز عصابة الانقلاب.
استهزاء وسخرية
يكفي فقط أن نقرأ ما كتبته "السعداوي" في مسرحيتها "الإله يقدم استقالته في اجتماع القمة " لندرك كيف استهزأت وسخرت بكل فجاجة ووقاحة من الله سبحانه وتعالى، ومن أنبيائه إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم صلوات الله وسلامه، ومن التوراة والإنجيل والقرآن، ومن شرائع الله وأحكامه، ورغم ذلك تركها العسكر لأنها تقدسهم وتقدس ديكتاتوريتهم.
وتداول النشطاء بمواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لناشطة توجه فيه انتقادات لاذعة إلى السفاح السيسي، وتساءلت: "أنت أعلنت قانون الطوارئ لتقلل من الإرهاب، والحد منه.. فهل تريد أن تحكم البلد من غير معارضين؟ عايز ما حدش يقول لك حاجة خالص.. هل أنت رسول الله المُنزَّل، وما بتغلطش"؟
وأجابت: "أنت بتغلط، وشخصيا لم أر لك حاجة صح، وباعتباري مواطنة مصرية، فلي حق معارضتك، وأن أقول لك: اللي أنت بتعمله ده غلط.. أنا حرة.. دي حاجة طبقا للدستور.. الذي يضمن لي أن أقول رأيي بكل صراحة، وأن أعارضك.. أي حد في البلد له الحق في أن يعارضك".
وتابعت: "أنت مش رسول الله المنزَّل.. أنت مش منزه عن الخطأ.. أنت إنسان، ومجرد حكومة.. أنت موظف عند الشعب، ولازم تخدمه، وليس العكس.. لكنكم متعودون من 80 سنة من الحكم العسكري على "سيستم" (نظام) أننا "التوب" القمة، وازاي حد يعارضني، واللي يعارضني ويشتمني سوف أسجنه وراء الشمس، وهذا ما حدث من قانون الطوارئ.. إذ مَنْ الذي سيترشح ضدك".
وأردفت: "لمجرد أن معارضا يقول إن هذه أرض مصرية يتم سجنه.. شباب، ومن حقهم المعارضة.. الجيل ده هيتحرك.. وزي ما شفت في فرنسا شباب تحت الأربعين يترشحون، ويكسبون.. كندا اللي أنا عايشة فيها يحكمها شاب"، واختتمت حديثها بقولها: "يا شعب قوموا بَقى كفاية".
وكان برنامج "انفراد" المذاع على قناة "العاصمة" الذي يقدمه النائب السابق في برلمان الدم "سعيد حساسين"، قد استضاف أحد مدعي الألوهية، وقام الضيف بالتلفظ بألفاظ تتعدى على الذات الإلهية دون أن يعترض أحد على كلامه داخل الاستوديو، وبمجرد ادعاء الضيف بأنه سيقوم بإعدام السيسي، ثارت ثورة المذيع الذي ما لبث أن قال له: "أنا ما اسمحلكش تقول الكلام دا..انت مش حر.. جاتكم البلاوي مليتوا البلد"!