"احنا لو عملنا دراسة لكل حاجة هنعملها مش هنعمل أي حاجة"، قد تبدو مقولة طبيعية لو كان قائلها جاهلا لم تمس عينه كتابا ويده قلما طوال حياته، إلا أن قائلها كان رئيسا للمخابرات الحربية قبل أن يتولى وزارة الدفاع ثم يزج به ليقود انقلابا دمويا على رئيسه المنتخب.
بدأت سلسلة الوعود الذي أطلقها السفاح السيسي فلم يقدم خطة انتخابية، لكنه ظهر في لقاء تلفزيوني مع الإعلاميين إبراهيم عيسى ولميس الحديدي على قناة (CBC)، يوم 2014، ليقول إن "المواطن سوف يشعر بتحسن خلال عامين، تحسن في الاقتصاد والتعليم والصحة في حياته عامة"، وهو ما حدث عكسه تماما طوال سنوات الانقلاب الثمانية.
ومن مسلمات التاريخ أنه إذا كانت هناك "مؤامرة" على شعب ما لما كانت تستطيع أن تحقق أهدافها لولا "غباء" من يجلس في الحكم، لكن السؤال الذى يطرح نفسه دائما هو كيف يصل الأغبياء والمتغابون إلى كرسى الحكم فى مصر بهذه السهولة على مر العصور، وكيف يختارون وزراءهم في الحكومة؟
طاعة الأغبياء
خلق الله الناس أحرارا، ومن جملة الحرية؛ حرية اختيار من يحكمهم، ومراقبته ووزرائه في تنفيذ وعودهم، ومحاسبتهم إذا قصروا، بل وعزلهم من مناصبهم إذا تمادوا في غيهم وظلمهم وفسادهم، والخروج عليهم عبر ثورة سلمية تخلعهم، وتهدم نظامهم الفاسد.
وتظهر تباعا مساوئ الحكم العسكري كلما طال على سدة الحكم، ومنها الوصول إلى الحكم الفردي، الذي يكره عمل المؤسسات، وإعداد البرامج، ويستهين بالدراسات وتبادل الآراء، ويرفض قبول الرأي الآخر.
ومن خصائص الديكتاتورية العسكرية السرف الشديد على شخص الديكتاتور وأسرته والمقربين منه، فينفق على قصوره، ورحلاته، ومشاريعه، وشهواته، ما يعادل ميزانية دولة، وما يكفي لحل كثير من المشكلات في التعليم والصحة والصناعة وغيرها.
ويحمل أعضاء حكومة انقلاب السفاح عبد الفتاح السيسي شهادات علمية في تخصصاتهم، بل إن بعضهم يحمل درجة الدكتوراه، والسؤال المهم لماذا تأتي جميع قراراتهم عكس مصلحة المصريين، وهدرا لأموال الشعب وعبثية مفرطة تتخطى الغباء وتصل إلى حد السفه والجنون؟
وأخطر مساوئ الحكم العسكري صعوبة إقناع العسكريين بتفويض السلطة إلى المدنيين، أو مشاركة دائرة أوسع في اتخاذ القرار، وتمثل "الطاعة" أهمية خاصة في اختيار العسكر لوزرائهم المدنيين أو سكرتاريتهم، بل إنها ما يميز حكومات الانقلاب المتتالية؛ نظرا لطبيعة عصابة الانقلاب العسكرية التي تتسم بالشدة وتسلسل الرتب والدرجات بين افرادها، حيث يتعاظم فيهم دور الديكتاتور العسكري، الأمر الذى أحاط واجب الطاعة بالنسبة للعسكريين بأحكام تختلف وتتميز عن مثيلتها عند العاملين المدنيين.
وأول ما يتعلمه الشخص الذي تم اختياره وزيرا مجندا في حكومة الانقلاب أنه مخاطب ببعض نصوص قانون الأحكام العسكرية، ومنها نص المادة (151) : يعاقب بالإعدام أو بجزاء أقل منه منصوص عليه في هذا القانون كل شخص خاضع لأحكام هذا القانون ارتكب الجريمة الآتية : عدم إطاعة أمرا قانونيا صادر له من شخص ضابطة الأعلى في وقت تأدية خدمته بطريقه يظهر منها رفض السلطة عمدا، سواء صدر له هذا الأمر شفهيا أو كتابة أو بالإشارة أو بغير ذلك أو تحريضه الآخرين على ذلك .
وينتقد المهندس ممدوح حمزة والذي كان من مؤيدي الانقلاب تلك الظاهرة، ويقول في تغريدة رصدتها "الحرية والعدالة": "هل تعلم السلطات الفرق بين المشروعات القومية والمشروعات الكبرى والمشروعات الإستراتيجية وأرجو أن يدرسوا الفروق لعلهم يعتدون".
ويقول المهندس صلاح السروي: "إذا كان فيه واحد صحي من النوم قال نحفر حفرة ثمنها 63 مليار ج بعائد أقصاه صفر على الشمال اتصل برجالته إيه رأيكم قالوا في صوت واحد تمام يا فندم هيجيب عائد 100 مليار جنيه في السنة فيه حد اتحاسب؟ تفتكر يكونوا فاهمين كلامك".
عصابة الفشل
لقد أظهرت تجربة الحكم العسكري في جميع الدول العربية التي سيطر عليها، أن الجيش إذا ما تدخل في السياسة فلا يُنتظر أن يخرج منها، وإذا ما تمكن العسكر من تولى السلطة في البلاد حتى يُصبح من العسير جدا إرغامه على التخلي عن الحكم، والاستمرار في التدخل في كيان الدولة حتى يُهيمن على السلطات المدنية كلها.
التجربة المصرية في انقلاب 30 يونيو 2013، أظهرت أن الجيش إذا ما تدخل في الشؤون السياسية، وتمكن من تولي السلطة، يصبح من العسير جدا إرغامه على التخلي عن الحكم، رغم أن عصابة الانقلاب دائما تنكر رغبتها في التدخل في السياسة أو تسلُّم الحكم، وأنهم إذا ما تدخلوا فإنما لإزاحة حكومة لا يؤيدها الشعب وتنصيب حكومة أخرى تؤيدها الجماهير.
الدولة العسكرية تعني سيطرة المؤسسة العسكرية الجيش على مقاليد الحكم في الدولة، بحيث تكون الكلمة الأولى والأخيرة للرجل العسكري أو لمجموعة الرجال العسكريين الذين يقفون على رأس هذه المؤسسة العسكرية.
في الدولة العسكرية لا مكان لتداول السلطة واختيار الشعب الحرّ لقيادته السياسية من خلال آليات الانتخاب، ولا يقرّر الشعب مصيره بإرادته، بل تُصادر هذه الإرادة ويتم توجيه القرار السياسي بناء على إرادة قادة العسكر الممسكين بزمام السلطة، فتكون السلطة لمن يملك القوة، وهم عادة جنرالات العسكر الذين يملكون السلاح، والذي يملك هذه القوة "الماديّة" هو الذي يحدّد طبيعة القرار السياسي، بل الاقتصادي والاجتماعي كذلك.
وقد يكون الحكم العسكري متخفّيا في لباس الحكم المدني، وهذا شكل من أشكال الدولة العسكرية المقنعة؛ حيث تمارس فيها الآليات الديمقراطية كتداول السلطة والانتخابات ولكن في إطار مقيّد، يسمح للجيش بالتدخل إذا وجد أن الديمقراطية تأتي بنتائج لا تتفق مع علمانية الدولة كما هو الحال في تركيا سابقا، وفي مصر حاليا.
وهكذا تستمر أزمة شرعية الحكم العسكري، مع كل فشل في حل المشاكل المزمنة التي ادعى الانقلابيون أنهم جاؤوا لحلها، بعدما فشل المدنيون في حلها، وبالتالي تظل مشكلة استقرار النظام السياسي على أساس التأييد الشعبي تكبر وتقوى، وتسقط الشرعية القائمة على أساس الضغط والقمع.