تخاريف السيسي عن قبول المعارضة.. جهل المستبد حينما يرتدي ثوب الحكمة!

- ‎فيتقارير

تأتي كلمات قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، خلال افتتاحه بعض المشاريع الصغيرة في قطاع الصحة، أول أمس، عن استعداده لقبول المعارضة بشروط، لتؤكد عن جهل عميق يكتنف نظامه وصانعي القرار والسياسات المحيطين به.
وجاءت كلماته المعبرة عن عدم فهمه لمعنى كلمة معارضة، استمالة لرضا الغرب والرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن، وسط موجات عاتية من الانتقادات الإعلامية والحقوقية لنظام العسكر وفشله الذريع في تحقيق أي تقدم في كافة قطاعات الدولة.
معارضة بشرط!

وصرح عبدالفتاح السيسي، بأنه يقبل المعارضة بشرط أن تكون بهدف تحسين حياة الناس، وأن يفهم المعارض ما يقوله، قائلا: "من حق الناس أن تعبر عن رأيها ونحن نقبل المعارضة من أي أحد بشرط فهمه لكلامه، ويجب أن تكون المعارضة هدفها تحسين حياة الناس".
وتتصادم تلك الكلمات المتناقضة وغير الواعية بالأساس – إذا سلمنا بصحتها- مع مقتضيات الواقع المرير لأكثر من 200 ألف معتقل مروا على سجون السيسي منذ انقلابه العسكري منتصف 2013م، منهم نحو 60 ألفا يقبعون حتى اليوم في سجونه ومعتقلاته، وفق تقديرات حقوقية، يعانون القمع والقتل خارج إطار القانون والتعذيب والإخفاء القسري، بسبب تعبيرهم عن آرائهم.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل طال القمع عسكريين داخل نظام السيسي، ومعارضين من أحزاب آمنت بالسيسي ودعمت انقلابه على المسار الديمقراطي، كما يجري حاليا مع النواب هيثم الحريري الذي يواجه خطر السجن والحرمان من ممارسة العمل السياسي طوال حياته، بتهم واهية بشراء أصوات خلال الانتخابات الهزلية الماضية، وأيضا النائب الوفدي محمد عبد العليم داود الذي يواجه العزل السياسي والفصل من برلمان السيسي، بعد فصله الهزلي من حزب الوفد على يد مستشار السيسي القانوني المحامي بهاء أبو شقة، الذي يرأس في ذات الوقت حزب الوفد الذي كان أهم الأحزاب المصرية في العهد الملكي وقبل انقلاب 23 يوليو 1952م!
بل إن زياد العليمي ورامي شعث وعدد من الصحفيين يواجهون الحبس والاعتقال؛ لأنهم فكروا ــ مجرد تفكير ــ في صياغة تحالف انتخابي يخوض "مسرحية" الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 2020م، وشهدت انتهاكات جسيمة تجعل من المجلس مجرد كومبارس على مسرح العسكر.
كما يأتي ذلك في وقت تواجه فيه مصر الكثير من الانتقادات المحلية والدولية بسبب ملفها الحقوقي وقمع نظام "السيسي" للمعارضين، وتجفيف كافة منابع المعارضة. وفي هذا الإطار، تقول صحيفة "التايمز" البريطانية، إن "مصر تحت حكم السيسي يسودها صمت المقابر، فالكثير من المعارضين في السجون وآخرون في المنفى، والحريات العامة في تراجع، كما تتعرض وسائل التواصل الاجتماعي للرقابة الشديدة، والشرطة تسارع إلى استجواب الناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان".
هامش ديمقراطي

وذكرت الصحيفة أن المعارضة في عهد حسني مبارك كانت تتعرض أيضا للقمع، ولكن الناس كانوا يجدون هامشا من الحرية إذا لم ينتقدوا الديكتاتور أو الجيش بشكل مباشر، ولكن اليوم لم يعد هذا الهامش موجودا.
وفي السياق ذاته، انتهى تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية إلى أن الطاغية عبدالفتاح السيسي يظن أنه قد تعلم الدرس من سقوط الرئيس الأسبق حسني مبارك، لكن التحليل الذي كتبه الصحفي فرانسيسكو سيرانو يرى أن السيسي تعلم الدروس الخاطئة، وأن الدكتاتور الذي يحكم البلاد حاليا بعدما قاد انقلابا عسكريا ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي في منتصف 2013م تحاصره المخاوف من كل جهة؛ مستدلا على ذلك بالعنف الذي يمارسه نظامه ضد المصريين في سنوات ما بعد الانقلاب، مؤكدا أن السيسي لديه فوبيا من المظاهرات والاحتجاجات والحشود الجماهيرية التي تملأ الشوارع.
وبحسب الكاتب الذي وصف السيسي بتلميذ مبارك النجيب، فإن السيسي ومبارك ينتميان إلى الجيش، الذي يهيمن على البلاد منذ عقود؛ بينما تبدو التجربة الديمقراطية القصيرة والصاخبة التي تلت 2011م مجرد انقطاع في القيادة الأبوية (الوصاية) طويلة المدى للجيش على مصر وشعبها.
ووفقا للتحليل الذي نشرته المجلة في 9 فبراير 2021م، فإن نظام مبارك على الرغم من طبيعته الاستبدادية إلا أنه ترك هامشا للمعارضة التي كانت خاضعة للرقابة، لكنه لم يسمح بوجود معارضة من شأنها تعريض سيطرته للخطر وكانت أجهزته الأمنية تتكفل بحصار المعارضة وممارشة أشكال مختلفة من العنف والتعذيب بشكل روتيني لإرهاب المواطنين. ويقر الكاتب بأن نظام مبارك كان يفتقر إلى رؤية سياسية لكنه كان يدرك أهمية صمامات الضغط، فكان يسمح بانتقاد الصعوبات المعيشية اليومية في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة طالما أن أصوات المعارضة لا تستهدف الرئيس بشكل مباشر أو تعرض نظامه للخطر؛ وهو ما كان مفيدا للنظام في منح السياسة الوطنية طبقة رقيقة من التعددية وهذا ما ساعد على بقاء مبارك في السلطة لثلاثة عقود بحسب رأي الكاتب.

خطأ مبارك

ويرى الكاتب أن السيسي ونظامه على النقيض من ذلك، فقد قلص السيسي جميع أشكال الخطاب العام والمعارضة معتقدا -على ما يبدو- أن مثل هذه المساحات مهما كانت صغيرة كانت أكبر خطأ فادح لمبارك. وبدلا من ذلك اختار الدكتاتور الحالي القضاء على أي مساحة للاعتراض في الفضاء العام مستخدما في ذلك القوة الكاملة للأجهزة الأمنية سعيا منه نحو نزع الطابع السياسي عن المجتمع بالكامل.
ويشير التحليل إلى أن السيسي ركز على قمع الإخوان وأنصارها في أعقاب الانقلاب، وسرعان ما امتد القمع ليشمل أي شخص أو حركة سياسية تطرح تساؤلات عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي الراهن. فالمعارضون السياسيون والنشطاء العلمانيون والحقوقيون والفنانون والصحفيون والأكاديميون وحتى مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي من غير السياسيين أصبحوا جميعا معرضون لخطر الاعتقال في حال قولهم “الشيء الخطأ” وفق معايير السلطة. ويشير الكاتب إلى أن النظام المصري وصل به الأمر إلى شن حرب على أطبائه وغيرهم من العاملين الصحيين وسط جائحة كورونا.