قالت دراسة إن أحداث 18 و19 يناير 1977 فتحت الباب لاحقا لتمرد الأمن المركزي في مطلع حكم حسني مبارك الممتد لـ30 عاما، وإن إدارة مؤسسة الشرطة في مصر عموما والأمن المركزي تحديدا اتسمت بالعديد من السمات وعلى رأسها ضم أعداد كبيرة من الشباب المطلوبين للتجنيد بالجيش لأداء خدمتهم بالشرطة لمدة ثلاث سنوات مع خضوعهم لقانون القضاء العسكري. فضلا عن اتسام معظم الجنود بتدني مستوى التعليم وانتشار الأمية بين صفوفهم ما يجعلهم أداة طيعة في يد النظام الحاكم.
وأضافت الدراسة، التي أعدها الباحث أحمد مولانا بعنوان “دهاليز الأمن المركزي .. النشأة و المكونات (1969-2011)”، إلى أن الحدث كان أبرز ما هدد نظام مبارك، ودفعه لأول مرة للاستعانة بالجيش لضبط الشارع في ظل تمرد القوات المكلفة بحفظ الأمن في سابقة غير معهودة في مصر.
وأشار إلى أن مبارك حاول تكرار تلك الاستعانة بالجيش رغم تغير الظروف والسياقات في يناير 2011، إلا أن نزول الجيش للشارع في 2011 ساهم في عزل مبارك بعد 30 سنة من البقاء في الحكم.
وأضاف أن الأمن المركزي نشأ عام 1969 بغرض تأسيس قوات شرطية خفيفة الحركة جيدة التسليح تختص بمواجهة الاحتجاجات الشعبية في ظل انشغال الجيش بإعادة بناء قدراته بعد هزيمة 1967، ولم تكن نشأته مرتبطة بحفظ الأمن من المنظور الجنائي، ثم توسع دوره وزاد حجمه ثلاثة أضعاف بعد مظاهرات يناير 1977 المنددة برفع الدعم الحكومي عن السلع الأساسية.
وأشارت الدراسة إلى أن الحدثين الفارقين كان تمرد الأمن المركزي في فبراير 1986 والذي قامت بتغطيته صحف (الأهرام، مايو، الوفد، الشعب) خلال الفترة من 25 فبراير إلى 4 إبريل 1986 التي واكبت بداية اندلاع الأحداث وصولا إلى إعلان النائب العام نتائج التحقيقات. ثم انهيار الأمن المركزي خلال ثورة يناير، وهو ما كشف عنه تقرير لجنة تقصي الحقائق في أحداث الثورة المشكلة بقرار رئاسي من الرئيس الشهيد محمد مرسي رحمه الله.
القوة الضاربة
واشارت الدراسة إلى أن قطاع الأمن المركزي يعتبر، حسب تعبير وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي (الجناح العسكري والقوة الضاربة لهيئة الشرطة). وقد لعب منذ تأسيسه في عام 1969 دورا بارزا في المشهد العام المصري، وبالأخص في حماية النظام الحاكم عبر التصدي للاحتجاجات الجماهيرية، وتنفيذ عمليات القبض على المعارضين السياسيين، وتأمين الانتخابات وما يشوبها من تزوير، فضلا عن دوره الفني المتمثل في حراسة الأماكن الحيوية ومساعدة الأجهزة الشرطية الأخرى في أداء مهامها مثل اقتحام أوكار عصابات الاتجار بالمخدرات، ودعم حملات شرطة التموين لضبط المخالفات.
وأضاف أنه رغم محورية دور الأمن المركزي إلا أنه لا توجد دراسة مفصلة منشورة تتناوله سواء باللغة العربية أو الإنجليزية، بل كثيرا ما تتسم الدراسات التي تتناول إصلاح القطاع الأمني في مصر بعدم الدقة عند تناولها للأمن المركزي ولا تفرق بينه وقطاع قوات الأمن، وصولا لتقديم أرقام غير صحيحة عن حجم الأمن المركزي، ما يؤدي إلى رسم صورة خاطئة عن هذا القطاع شديد الأهمية.
تطوير بعد الانقلاب
واعتبرت الدراسة أن حادث الأمن المركزي انعكس على التعامل مع المستجدات التي طرأت على المشهد الأمني الداخلي في مصر بعد انقلاب 2013 من قبيل تأسيس قوات تدخل سريع من كافة أفرع القوات المسلحة بقوام يوازي فرقتين عسكريتين في مارس 2014 للمشاركة في مواجهة المظاهرات المناهضة للانقلاب وبالأخص في القاهرة الكبرى والإسكندرية، فضلا عن تأسيس وحدة تدعى (888) لمكافحة الإرهاب من قوات مشتركة من الأمن المركزي والجيش، إلا أن الأمن المركزي يظل هو القوة الضاربة لوزارة الداخلية، وخط الدفاع الأول عن النظام الحاكم.
ووفقا للدراسة فإن أي توصيات لتطوير الأمن المركزي وتمدينه بإبعاده عن الشكل العسكري والاعتماد في تشكيله على عناصر متعلمة أو حتى إلغائه أو تقليص أعداده يتطلب تغييرا في النظام السياسي الحاكم، وإعادة النظر في أولويات نظام الحكم، بحيث تتراجع أولوية حماية النظام من الاحتجاجات الشعبية لتحل محلها أولويات أخرى تتمثل في حماية المواطنين من الأستبداد والقمع، وامتلاكهم لحريتهم في اختيار من يحكمهم والقدرة على محاسبته وعزله عبر مسارات سياسية ودستورية.
وأكد أن توفير حياة سياسية رشيدة يحد من الحاجة إلى وجود أجهزة أمنية عسكرية متضخمة تقمع الجماهير، كما يقلل من دوافع وأسباب الجرائم الجنائية التي يتخذها البعض ذريعة لزيادة حجم الأجهزة الأمنية، ويفتح الباب أمام تبني نماذج شرطية حديثة لحفظ الأمن مثل الشرطة المجتمعية، ما يحفظ كرامة المواطن، ويخفف عبء النفقات الباهظة التي تتطلبها عمليات إعاشة وتشغيل مئات الآلاف من مجندي الأمن المركزي وقوات الأمن.
واختتم أحمد مولانا بأن نموذج القوات شبه العسكرية قام على تأسيس قوات تخضع لشراف الشرطة عمليا، في حين تتبع الجيش فيما يخص التجنيد والتسليح والتقاضي، وتختص بحفظ الأمن في المناطق الريفية والطرق السريعة ومواجهة الاحتجاجات الجماهيرية وأعمال الشغب الواسعة.