أمام تطرف ماكرون.. كيف عالجت رئيسة وزراء نيوزيلندا قضية الهجوم الإجرامي على المسلمين؟

- ‎فيتقارير

رغم كل الحديث الذي يدور حول ما بات مزعوما في الاعلام بـ"الانفصالية الإسلامية" في فرنسا، فإن الاهتمام الأكبر في هذه الأحاديث صار يستهدف المسلمات المحجبات اللواتي يؤدين واجباتهن المدنية، أكثر من الاهتمام بأنصار اليمين المتطرف الذين يرتكبون الجرائم أو ينتهكون القانون، مثل العضو السابق في حزب لوبان، الذي حاول إضرام النار في مسجد، ثم أطلق النار على شخصين حاولا إيقافه.

والسؤال الذي ينبغي طرحه على طاولة الاستفهام لماذا يحمل سيء الذكر الرئيس ماكرون كل هذه الكراهية للإسلام والمسلمين؟ وإذا كان الإسلام في أزمة فمن الذي أوصله إليها؟، ومن الذي عزل الجاليات الإسلامية في جيتوهات في أطراف باريس والمدن الأُخرى؟

إرهابي مسيحي
تؤكد الوقائع والأحداث وجرائم الغرب بحق المسلمين أن الإسلام ليس في أزمةٍ، وإنّما ماكرون نفسه هو المأزوم، وكذلك الدّول التي تتواجد فيها الجاليات الإسلاميّة المُهاجرة، ولأسبابٍ ذاتيّةٍ صِرفَةٍ، بعضها طابعه اقتصاديّ، وليس لها علاقة مُباشرة أو غير مُباشرة بهذه الجاليات المُسلمة، وإن وُجِدَت هذه العُلاقة فهي ضعيفة وثانويّة.

ففي الوقت الذي تصحو فيه الولايات المتحدة، زعيمة العالم الغربي إلى مخاطر العُنصريّة المُتفاقمة فيها ضدّ السّود بعد مقتل جورج فلويد خنقًا بطريقةٍ بَشِعَةٍ تحت ركبة أحد رجال الشّرطة الأمريكيين، يعمل الرئيس الفرنسي على تصعيد الكراهية ضدّ أكثر من ستّة ملايين من مُواطنيه المُسلمين، في تحريضٍ سافرٍ للجماعات العُنصريّة ضدّهم.
الإسلام المأزوم هو الإسلام الأمريكي الذي مَوّلت تطرّفه وكالة المُخابرات الأمريكيّة "سي آي إيه" وزميلاتها في أوروبا، مثل "داعش" التي أرسلوها إلى العالم الإسلامي للقتل والتّدمير وتفكيك الدّول، وبَذر بُذور الطائفيّة في مُجتمعاتها، فهذا "الإسلام المُتطرّف" و"المُزوّر" كان الحليف الأكبر لدول الاستعمار.

من جهتها تقول سارة علوان، الباحثة القانونية في جامعة تولوز إلى أنه "رغم أن النظرية العنصرية المعروفة بـ"البديل العظيم" قد طُوِّرت في فرنسا، واستُخدِمت من قِبَل الإرهابي الذي ارتكب مذبحة مروعة في "كنيسة كرايست تشيرتش"، بنيوزيلندا، فإن ماكرون لم يذكر ولو لمرة واحدة خطر الأفكار المتصلة بتفوُّق العِرق الأبيض أو أفكار اليمين المتطرف".
وتضيف: "إن التعصُّب تجاه المسلمين أصبح علامة تجارية ناجحة في فرنسا، لأنه يساهم في تعزيز نسبة المشاهدة على شبكات الأخبار التي تعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، ويُتيح فرصة تسليط مزيد من الأضواء على السياسيين. وحتى إن لم يكن اليمين المتطرف على هرم السلطة الآن في فرنسا، فإن أفكاره بالتأكيد تسري في أروقتها". وتُضيف الباحثة أنه حينما يأتي أوان الاختيار بين ماكرون واليمين "فسيُطلب من الناخب التصويت من أجل إنقاذ الجمهورية، لا سيما حينما تصل لوبان إلى الجولة الثانية من الانتخابات".

إضافة إلى ما سبق، يتبوأ حزب ماكرون الموسوم بـ "الجمهورية إلى الأمام" مركز الصدارة على مسرح السياسة الفرنسية، وهذه المكانة تحديدا تجعل من تصريحات ماكرون وتصريحات عدد من المشرعين في حزبه أمرا مقلقا. فلو أن سياسيا صرّح قبل عقدين أن "الإسلام ديانة تعيش أزمة في جميع أنحاء العالم"، لقلنا بالتأكيد إنه تصريح من حزب يميني متطرف، ولقلنا الأمر نفسه على مَن يُعلن أن الحجاب "لا يتوافق مع حضارة بلدنا"، بيد أن ماكرون نفسه صرّح بهذا الحديث قبل عامين.

وإلى وقت غير بعيد، كان سيكون مثيرا للدهشة لأي شخص من غير مؤيدي اليمين المتطرف أن يقول: "لا يمكنني قبول مجيء أي شخص للمشاركة في عملنا في الجمعية الوطنية البرلمان مرتديا الحجاب"، لكن هذا حصل بالفعل، وهذه الكلمات تعود لـ "آن كريستين لانغ"، عضوة البرلمان الفرنسي المعروفة، المنتمية إلى حزب ماكرون السياسي المحسوب على تيار الوسط.
والأدهى من ذلك أن هجوم لانغ كان بحق زعيمة طلابية مُنتخَبة، كانت تزور برلمان بلادها وتشارك بكامل حقوقها كونها مواطنة، والحال هذه، فبالنسبة للمدافعين المفترضين عن قيم الجمهورية العلمانية، فإن نقد الحجاب أصبح أكثر أهمية من الدفاع عن القيم المدنية والحريات الفردية.

ماكرون وجاسيندا
من جهته وجه رئيس الوزراء القطري السابق، الشيخ حمد بن جاسم، انتقادًا حادًا لتعامل ماكرون مع الأحداث التي تشهدها بلاده، مقارنًا بين مواقف ماكرون، وتعامل رئيسة وزراء نيوزيلندا مع حادثة المسجدين، وكيف اكتسبت احترام المسلمين.

وقال الشيخ حمد بن جاسم، في سلسلة تغريدات، رصدتها "الحرية والعدالة": "لقد شد انتباهي أسلوب الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" في معالجة قضية القتل غير المقبول للمعلم الذي استعمل رسوما مسيئة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليم تلامذته".

وأضاف الشيخ حمد بن جاسم في تحليله للوضع الذي تشهده باريس: "تذكرت كيف عالجت رئيسة وزراء نيوزيلندا قضية الهجوم الإجرامي الذي قتل فيه إرهابي أسترالي، عشرات المسلمين أثناء أدائهم صلاة الجمعة داخل مسجدين وقارنْتُ بين الأسلوبين".
وتابع: "جاسيندا أرديرن أدركت خطورة الأمر، واتخذت من الإجراءات العاجلة، ما أتاح لها امتصاص غضب أبناء الجالية المسلمة في نيوزيلندا أولًا، وأكسبها احترامًا وثناءًا من كل أنحاء العالم على مواقفها الإنسانية الشجاعة النابعة من روح مسؤولية عميقة".

وشدد على أنها أدانت الهجوم، واعتبرته عملًا يستهدف كل الشعب، بصرف النظر عن الدين أو اللون، وزارت المسجدين المنكوبين، وعائلات الضحايا، وأكدت أن العمل مدان بكل المعايير وأعلنت الحداد، ومقابل موقف جاسيندا أرديرن الذي استحسنه الشيخ حمد بن جاسم، قارن الأمر بما فعله ماكرون.
وقال: "أنا أدرك أنها سنة انتخابات في فرنسا، وربما كان هذا الاعتبار هو ما جعله يتعامل مع قضية القتل غير المقبول للمدرس"، مشددًا أنه لا يبرر أي جريمة من أي نوع، تحت أي سبب ترتكب". وأكد أنه بالمقابل، يؤمن بضرورة احترام قوانين الدول، وبضرورة احترام الديانات كلها ورموزها، وأن تكون حرية العبادة مكفولة للجميع. وكشف بن جاسم أنه "رغم أن فرنسا دولة علمانية، فإن المواقف التي اتخذها الرئيس الفرنسي وأسلوبه في معالجة الأمر قد أجج الوضع، ووفر للأسف مبررات لكلا الطرفين لارتكاب جرائم والقيام بأعمال لا تخدم الوئام".

ومنذ أن جاء ماكرون إلى قصر الإليزيه، وشُغله الشّاغل دائمًا هو التّطاول على الدين الإسلامي بطريقةٍ استفزازيّةٍ غير مسبوقة، فبعد استخدامه توصيف "الإرهاب الإسلامي" أكثر من مرّةٍ ها هو ينحَت توصيفًا أكثر تحريضًا عندما قال "إنّ الإسلام في العالم يعيش أزمة" في فرنسا، وكشف عن خطّة عمل يجري وضعها لمُواجهتها بصرامةٍ.

ماكرون الذي تعاطى مع لبنان كوصيّ ومندوب سام، وما زال يَحِن لحقبة الاستعمار الفرنسي في تونس والجزائر، يدّعي أنّه يُفرّق بين الإسلام المُعتدل، والإسلام المتطرّف، ولكنّه في واقع الأمر يُعادي الاثنين، ويتبنّى سِياسة "تصنيع الخوف" والاستِثمار الانتخابي في "الإسلاموفوبيا" المُنتشرة حاليًّا في أوروبا والعالم الغربي عُمومًا، لأسبابٍ انتخابيّةٍ صِرفَةٍ بعد تراجع أسهمه مُقابل اليمين واليمين المُتطرّف اللّذين تتصاعد حُظوظهما وشعبيّتهما في أوساط الرأي العام الفرنسي هذه الأيّام.

هذا التّصعيد للكراهية ضدّ الإسلام والمُسلمين الذي يقوده ماكرون شخصيًّا يأتي تمهيدًا لتمرير قوانين وإجراءات ذات طابع عُنصري ضدّ الجِيلَين المُسلِمَين الثّالث الرّابع في فرنسا بعد الاعتِراف بفشل ما يُسمّى بالخطوات الإصلاحيّة لدمجهما في المُجتمع الفرنسي، مُضافًا إلى ذلك أن ماكرون يُحاول يائسًا استِعادة ما فقده من شعبيّةٍ أمام اليمين المُتطرّف، استِعدادًا للانتخابات الرئاسيّة عام 2022.
الجدير ذكره، أن ماكرون تعمد الإساءة للإسلام والنبي محمد، على إثر الأحداث الأخيرة التي تعرضت لها بلاده، الأمر الذي أثار غضبا لدى المسلمين، ودفعهم لمقاطعة المنتجات الفرنسية، حيث تصدرت قطر والكويت مشهد المقاطعة، فيما صمتت الإمارات والسعودية ومصر على تصريحات ماكرون.