ماكرون يعيش حروب القرون الوسطى.. لماذا يعادي الرئيس الفرنسي الإسلام والمسلمين؟

- ‎فيتقارير

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتبنى حملة معادية للإسلام ومواقف مضادة لكل القضايا الإسلامية المثارة.. وإذا كان عداء الغربيين وتطاولهم على الإسلام ليس جديدا..إلا أن ماكرون تجاوز حدود نظراءه وسابقيه فهو لا يكتفى بالتضييق على الجالية المسلمة فى فرنسا ومنع ارتداء النقاب والحجاب للمرأة المسلمة ومنع التعليم الإسلامى، وإنما يوجه عداءه وكراهيته حتى فى القضايا التى تطرح على المستوى العالمى فمثلا فى الحرب المشتعلة الآن بين أذربيجان وأرمنيا ينحاز إلى آرمينيا لأنها دولة مسيحية أما أذربيجان فهى دولة مسلمة، وفى نفس السياق ينحاز لكل من اليونان وفبرص اليونانية ضد تركيا وقبرص التركية فيما يتصل بترسيم الحدود البحرية وأعمال التنقيب عن البترول والغاز فى منطقة شرق البحر المتوسط.

كان ماكرون قد ألقى خطابًا، يوم الجمعة الماضى، قال فيه ان على فرنسا التصدي لما أسماه "الانعزالية الإسلامية"، زاعمًا أنها تسعى إلى "إقامة نظامٍ موازٍ" و"إنكار الجمهورية".
وأضاف: في تلك النزعة الإسلامية الراديكالية عزم معلن على إحلال هيكلية منهجية؛ للالتفاف على قوانين الجمهورية، وإقامة نظام موازٍ يقوم على قيم مغايرة، وتطوير تنظيم مختلف للمجتمع ، زاعما أن الإسلام ديانة تعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم.

وكشف ماكرون عن تدابير معادية للمسلمين منها إرغام أي جمعية تطلب مساعدة من الدولة التوقيع على ميثاق للعلمانية، وفرض إشراف مشدد على المدارس الخاصة الدينية والحد بشكل صارم من التعليم الدراسي المنزلي.
كما طرح ماكرون مشروع قانون ضد "الانفصال الشعوري" والذى بدأ العمل علىه في فبراير الماضي ويسعى من خلاله إلى "مكافحة من يوظفون الدين للتشكيك في قيم الجمهورية"، وهو ما يعتبر استهدافا للجالية المسلمة على وجه الخصوص.

غير مسئولة
استفزازات ماكرون المتواصلة للمسلمين دفعت شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب إلى الرد عليه  في تغريدة نشرها باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية على موقع التواصل الاجتماعى "تويتر" وصف فيها شيخ الأزهر تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة بشأن الإسلام، بأنها "غير مسئولة".

وقال الطيب: في الوقت الذي نسعى فيه مع حكماء الغرب لتعزيز قيم المواطنة والتعايش، تصدرُ تصريحات غير مسئولة، يتخذ ماكرون من الهجوم على الإسلام غطاءً لتحقيق مكاسب سياسية واهية. وحذر شيخ الأزهر من أن هذا السلوك اللاحضاري ضد الأديان يؤسِّس لثقافة الكراهية والعنصرية ويولِّد الإرهاب".

عنصرية
فى نفس السياق استنكر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف تصريحات ماكرون، مؤكدا أن اتهام الإسلام بالانعزالية دعوة صريحة للعنصرية، وقال المجمع فى بيان له إن اتهامات ماكرون تنسف كل الجهود المشتركة بين الرموز الدينية للقضاء على العنصرية والتنمر ضد الأديان، محذرًا من أن مثل هذه التصريحات العنصرية من شأنها أن تؤجّج مشاعر ملياري مسلم ممن يتبعون هذا الدين الحنيف.

وأضاف أن إصرار البعض على إلصاق التهم الزائفة بالإسلام أو غيره من الأديان كالانفصالية والانعزالية خلط معيب بين حقيقة ما تدعو إليه الأديان من دعوة للتقارب بين البشر وعمارة الأرض وبين استغلال البعض نصوص الأديان وتوظيفها لتحقيق أغراض هابطة.
وأشار البيان إلى أن ماكرون اتهم الإسلام باتهامات باطلة لا علاقة لها بصحيح هذا الدين، الذي تدعو شريعته للسماحة والسلام بين جميع البشر حتى من لا يؤمنون به.

ودعا المجمع إلى ضرورة التخلي عن أساليب الهجوم على الأديان ووصفها بأوصاف بغيضة محذرا من أن ذلك يقطع الطريق أمام كل حوار بنّاء، كما أنه يدعم خطاب الكراهية، ويأخذ العالم في اتجاه من شأنه أن يقضي على المحاولات المستمرة للوصول بهذا العالم إلى مجتمع يرسخ للتعايش بين أبنائه، ويقضي على التفرقة والعنصرية.

قيادات كرتونية
وقال علي محيي الدين القره داغي أمين عام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مخاطبا الرئيس ماكرون، إن الإسلام لا يتحمل وزر قيادات كرتونية مزيفة من صناعتكم.
وأكد القره داغي في تغريدة عبر حسابه على "فيسبوك"، أن الدين الإسلامي لا يمر بأي أزمات موضحا أن على ماكرون ألا يقلق على ديننا فهو لم يعتمد في يوم من الأيام على دعم سلطة ولا رفع سيفا في وجه من عارضه ليفرض رايته.

وأضاف أن الإسلام حقائق وجودية خالدة تملك حلا للمشاكل المستعصية على السلطات.. هو دين الله وليس نظام حكم يعتمد على مزاج الناخبين ولا تزييف الوعي.. الإسلام هو الحضور المستمر للعقل والبرهان وحماية الإنسان.
وتابع القره داغي: الإسلام حيث تكون الحرية تجده في خير، وحيث يكون الاضطهاد ينبت رغم أنف المستبدين مؤكدا أن ديننا لا يمر بأزمة ولن يمر فليس الإسلام صناعة بشرية كي نخاف الضمور والكساد، هو إسلام وكفى يتنفس رغم مكائد الآخرين، ورغم الإسلاموفوبيا.. لسنا في خوف على ديننا ولا نحتاج يا سيادة الرئيس لمن يبصرنا بوجود أزمة.

وشدد على إن المستقبل لدين الإسلام، ونحن في خوف على مستقبل المجتمعات التي تجعل من أديان الآخرين ومقدساتهم أهدافا مشروعة، نحن في خوف على مجتمعات من سلطات تدمن صناعة أعداء لها.
وقال القره داغي: نحن نشفق على حاكم ما زال يعيش أزمة وشبح حروب دينية، يعيش في قرونها الوسطى ونحن في القرن الحادي والعشرين، موضحا أنه إذا كان هناك أزمة حقيقية فهي تعود لازدواجية معايير بعض الساسة الغرب، ونفيدكم علما أن من يقود زمام الحكم في العالم العربي والإسلامي في غالب الدول هم ممن أنتم صنعتموه أو كان انقلابيا باركتم بوصوله الحكم على جماجم الأبرياء.
واختتم تصريحاته قائلا: السيد الرئيس ماكرون: أنتم في أزمة، أزمة انتكاس أخلاقي وإنساني وسياسي ولا يتحمل الإسلام وزر قيادات كرتونية مزيفة صنعت الأزمات برعاية منكم.

جدلية استعمارية
وتساءل فوزي بن يونس بن حديد كاتب تونسي لماذا تحدث الرئيس الفرنسي ماكرون عن العالم الإسلامي بهذه الجدلية الاستعمارية الامبريالية الاستعلائية العنصرية، مشيرا إلى أنه زعم أن العالم الإسلامي يعيش أزمة تصدع كبيرة.

وقال بن حديد فى تصريحات صحفية هل حقا يعيش العالم الإسلامي هذه الأزمة وهل هي أزمة دين أم أزمة فكر؟ مشيرا إلى أن الرئيس الفرنسي قد يكون صادقا في حديثه عن أزمة ثقة بين المسلمين أنفسهم لأنه يرى الاقتتال والتكفير والانحلال الفكري الذي أصاب الأمة الإسلامية التي كانت يوما خير أمة أخرجت للناس، ولكنها تعيش اليوم تناقضا رهيبا في الفكر وانحلالا كبيرا في الخُلق، وتأخّرا لا مثيل له في عالم الإنسان، فالعالم الإسلامي من وجهة نظره يعيش فترة تحلّل وتفكّك وأزمة من الداخل ربما تعود أسبابها في نظره إلى هذا الهيجان المفرط في استعمال العاطفة دون اعتماد على العقل الذي هو أساس الفكر.

وأوضح أن الأزمة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم تتصل بالبنيوية للمجتمع الإسلامي، ويزداد الأمر سوءا عندما يفقد المسلم هويته طمعا فيما عند الآخر، فينسلخ من عقيدته ومبادئه وحتى هُويته لمسايرة الواقع، بينما إذا تمسك المسلم بهذه المبادئ والقيم التي تربى عليها عُدّ رجعيا ومتخلفا عن الحضارة الجديدة التي هزّت العالم وأدخلته في موجات من الترنح الفكري القسري.

وأشار بن حديد إلى ان هذا التشتت هو الذي يربك حياة المسلم ويجعله لا يتشبث بأي منهما، ليبقى مذبذبا في حياته، يتعاطى الأمرين ولا يدري الصحيح في أي الطريقين، بل يعتبر ذلك من الإسلام الجديد الذي يدعوه دوما إلى التحرر من النفس المنغلقة في عالم متحضر.

وطالب الرئيس الفرنسي بأن يعرف جذور المشكلة قبل أن يتحدث عنها، لأنه يقدم وصفا ميتافيزيقيا للحالة التي يعيشها المسلم في عالم الإسلام، فالمسلم اليوم يعيش خواء فكريا وربما روحيا لأنه لم يفهم ولم يلامس جوهر الروح التي إذا تربت على التعمق في الماورائيات وسبحت في ملكوت الله وأدركت حقيقة الوجود، فإنها فعلا سترفرف عاليا، وستحقق المستحيل الذي يراه ماكرون ضربا من الخيال أو نوعا من الجنون الفكري، لأن المسلم العربي وغير العربي أبدع في جميع المجالات حينما كان الغربي لا يفقه شيئا من الحياة ويقبع في ظلام دامس، وحينما كان غارقا في شهوته ولذّته وغريزته دون اعتبار لحياة إنسان، وكانت المسيحية كدينٍ قد وضعت الأغلال في أعناق الناس وجعلتهم يعيشون الوهم، وفجأة وبعد الثورة البشرية على السائد استطاع الغرب أن يقلب الصفحة من خلال التميز في العلوم وتسخيرها لصالحه متشحا ببعض الأخلاقيات الضرورية للنجاح في استطلاع العلوم التجريبية بكافة أنواعها.

ثأر تاريخي
وتابع بن حديد: في الوقت الذي تفتحت عقول الغربيين ساد الجهل مرة أخرى في العالم الإسلامي، الذي قاد المرحلة الأولى بكل فخر وعزة وإباء، لكن الحرب على النفس الذي قادها الغرب لتفكيك الهوية الثقافية الإسلامية كانت سببا في الانحلال والتأخر، وزاد الاستعمار من حدة الألم، فهشّم كل قائم على أساس إسلامي، وعمل على نهب كل علم يتميز به العرب والمسلمون، وبثّ في صفوفه الشك بدل اليقين، والكذب بدل الصدق، والحيلة بدل الثقة، مما أحدث فجوة فكرية وزلزالا عظيما أربك الحالة المدنية والعلمية في البلاد الإسلامية، وحطّ من قيمة الدين العظيم الذي كان يقود العالم يوما، ونبغ منه مسلمون في كل المجالات العلمية والثقافية والدينية، متزينين بالخُلق العظيم.

وتساءل: هل قرأ ماكرون التاريخ الإسلامي وعرف عظمته، قبل أن يقول هذا الكلام؟ وهل أدرك حقيقة الإسلام، حتى يطلق هذه التصريحات؟ فلئن كان وصف الرئيس الفرنسي صحيحا  في بعض الجوانب فإنه مخطئ في كثير من الجوانب التي ينبغي أن يكون أكثر دقة، ولا يعمم، ولا يستهزئ بمكونات الدول الإسلامية، لأنه ربما يقرأ الواقع من زوايا مسيحية أو يهودية تكره الدين الإسلامي، وتعتبره دينا ضعيفا لا يرقى إلى أن يتسيد العالم مرة أخرى، لأن العالم يعرف ماذا يفعل وهو أكثر قوة لن يستطيع المسلمون أن يقفوا في وجهه في أي بلد من العالم، بل لأن العالم الإسلامي ربما معتل وربما هو في نظره مختل فكريا، لا يمكن أن يصحو أبدا، ولهذا بدأت الحرب الصليبية مرة أخرى ضد الإسلام والمسلمين للانقضاض على ما تبقى منه، ونهْش لحمه، ونهْب ثروته، لكي يعيش في القاع ويصير المسلمون في النهاية عبيدا لهم، وهو ما يحدث اليوم في عالمنا الإسلامي فعلا، لكن لا شيء يدوم على حاله، فقد تتغير العقول والنفوس ويأخذ المسلمون بثأرهم التاريخي وتعود لهم الكبرياء والعزة والكرامة وما ذلك على الله بعزيز.