قرر السفاح عبد الفتاح السيسي قتل عشرات الآلاف من السجناء السياسيين، من أطباء ومهندسين وعلماء ومهنيين، ومن كل طبقات الشعب قتلا بطيئا بالبرد والجوع وتفشى الأمراض ومنع الزيارات، ومن لم يمت يبقى عليلًا مريضًا يعانى الأوجاع والأمراض باقى عمره، أكثر من ٨٠ ألف معتقل في سجون الانقلاب من أجل حرية مصر وشعبها، يعانون الويلات من انتهاكات حقوق الانسان والقتل البطيء بالاهمال الطبي المتعمد بحقهم.
ووفق ذلك القرار توفي أمس الأربعاء المعتقل "شعبان حسين خالد" داخل محبسه بسجن الفيوم العمومي، حيث كان يقضي حكم بالسجن المؤبد في القضية رقم 96 عسكرية، وتعد هذه حالة الوفاة الثالثة داخل السجون خلال 24 ساعة بعد وفاة كل من عبدالرحمن محمد زوال بسجن تحقيق طرة، وصبحي السقا بسجن برج العرب.
شهداء الإهمال
ولم تكن وفاة المعتقلين الثلاثة -رحمهم الله- وتقبلهم في الشهداء، وقبلهم الدكتور عصام العريان القيادي بجماعة الإخوان المسلمين داخل سجون السفاح السيسي هي الأولى من نوعها، إذ شهدت السنوات الماضية العديد من الجرائم المشابهة التي سقط فيها عشرات المعارضين ضحايا الإهمال الطبي الذي كشفت بعض المنظمات الحقوقية أنه بات منهجًا معتمدًا لدى عصابة الانقلاب لتصفية قيادات الجماعة ورموزها الثورية.
تقول الصحفية والكاتبة منى حوا : "عصام العريان معتقل سياسي حكم بالمؤبد حرم من زيارة ذويه قتل بالإهمال الطبي المتعمد. الرحمة له تستدعي خطاب أقل ميوعة وأكثر حدية يتعامل مع الحدث بضرورة وقف القتل الممنهج في سجون السيسي لبقية المعتقلين السياسيين في مصر، من الإخوان وكافة الأطياف السياسية. نحن شهود على مأساة مستمرة".
وتوفي "العريان" 66 عامًا الخميس الموافق 13 أغسطس الماضي، إثر تعرضه لأزمة قلبية داخل محبسه بسجن العقرب سيئ السمعة، قيل بعدها أنه استشهد متأثراً باصابات بالغة نتيجة حفلة ضرب وتعذيب تعرض لها على يد أحد ضباط الأمن الوطني داخل السجن.
وبحسب محامي "العريان" فإنه لم يلتق أسرته منذ 6 أشهر تقريبًا بسبب تعنت سلطات السجن وعرقلتها الزيارة، وكان القيادي الراحل قد اشتكى أكثر من مرة في جلسات سابقة من الإهمال الطبي الذي تسبب في إصابته بفيروس الكبد الوبائي "فيروس سي" داخل محبسه لكن دون استجابة من أحد.
ويعد العريان المولود بمحافظة الجيزة في 28 إبريل 1954، والحاصل على بكالريوس الطب والجراحة العام عام 1977، أحد أبرز الكوادر النشطة في جماعة الإخوان، وواحد من القيادات صاحبة التأثير القوي في فكرها على مدار العقود الثلاث الماضية.
ولم تكن وفاة "العريان" داخل معتقلات السفاح السيسي هي الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة إذ سبقها جرائم عدة أبرزها على الإطلاق وفاة الرئيس الشهيد محمد مرسي في 17 يونيو 2019، ومن قبلها وفاة المرشد السابق محمد مهدي عاكف في 22 سبتمبر 2017.
تصفية المعارضين داخل سجون الانقلاب تحولت إلى نهج وعقيدة لدى العسكر، الذي لا يكل ولا يمل من التنكيل بمعارضيه بشتى السبل، مرتكنًا إلى آلة إعلامية تسوق لتلك الجرائم تحت شعار "الوفاة الطبيعية" وهو ما تفنده التقارير الحقوقية التي تؤكد مسئولية الإهمال الطبي المتعمد عن حالات الوفاة المتكررة.
وكشفت تقارير حقوقية أن الموت البطيء عن طريق الإهمال الطبي بات الأداة الأسرع والأنجز للتخلص من المعارضين، عبر تصفية وصفها بـ "الناعمة" لإسكات أصوات يراها العسكر مارقة وتهدد كيانه رغم حبسها خلف الجدران.
التقارير نقلت عن بعض المنظمات الحقوقية رصدها وتوثيقها للعديد من الحالات التي تم تصفيتها بالإهمال الطبي، حيث رصد قرابة 10 حالات وفاة في الربع الأول من 2019 نتيجة الإهمال الطبي بحسب مركز عدالة للحقوق والحريات وهي منظمة مجتمع مدني مصرية مستقلة.
تسريبات فاضحة
وتوصل تحقيق استقصائي خاص أجرته قناة الجزيرة إلى أرقام مرعبة حول عدد السجناء السياسيين الذين قضوا نتيجة الإهمال الطبي المتعمد وظروف الاحتجاز غير الإنسانية، منذ الانقلاب العسكري الذي قاده السفاح السيسي ضد الرئيس الشهيد محمد مرسي يوم 3 يوليو 2013.
وأورد التحقيق شهادات حية لمعتقلين داخل سجون السفاح السيسي، تحدثوا فيها عن ظروف غير صحية أو غير إنسانية يعيشون فيها، حيث يتم تكديس العشرات منهم في زنازين ضيقة بالكاد تتسع لخمسة أو ستة أشخاص. واشتكى المعتقلون من خلال مكالمات هاتفية أو مقاطع فيديو جرى تسريبها من السجون من أن سلطات السجون لا تقدم لهم الرعاية الصحية اللازمة، وتحرمهم من الماء الصالح للشرب.
كما اشتكوا من نوعية وكمية الطعام المقدمة لهم، وعدم السماح لهم برؤية الشمس، مما تسبب في انتشار أمراض رئوية خطيرة بينهم كالسل مثلا أدت إلى وفاة بعضهم بعدما رفضت سلطات السجن نقلهم إلى المستشفى، أو حتى عزلهم عن المعتقلين الآخرين الذين انتقلت عدوى المرض القاتل إلى العديد منهم.
وتحدث أهالي وأمهات وزوجات معتقلين سياسيين عن معاناتهم، وعدم سماح إدارة السجون بحصول أقاربهم على الأدوية اللازمة لهم رغم إصابتهم بأمراض خطيرة، وعدم السماح لهم بنقل أقاربهم للعلاج على نفقتهم الخاصة في أحد المستشفيات المصرية، حتى وصل الأمر إلى موت العديد من هؤلاء المعتقلين.
وتحدثت أُم أحد المعتقلين عن ترك سلطات السجن ابنها يعاني من أمراض خطيرة في الكبد والرئة ومن السكري في غرفة مليئة بالحشرات تنبعث منها روائح كريهة، لدرجة أن طبيب السجن كان يرفض دخول الغرفة لمعاينة المريض، بل كان يكتفي بالنظر إليه من باب الغرفة.
ونقل التحقيق الاستقصائي شهادة معتقل سابق جرى رميه من الطابق الرابع في السجن، فأصيب بكسور بليغة وقطع الكثير من أعصابه، ومنعت سلطات السجن أهله من نقله للعلاج في مستشفى خارجي، وأصدروا تقريرا بوفاته، وبدأت أسرته بترتيب إجراءات وفاته، لكنه بعد أسبوع بدأت الحياة تعود إلى دماغه وقلبه، لكن الكسور والأمراض اللتين أصيب بهما في السجن علاجها مستعص، كما أكد له الأطباء.
وبحسب ما رصده الفيلم الذي بثته الجزيرة، فإن أكثر الأمراض المنتشرة في سجون الانقلاب هي أمراض الجهاز التنفسي والكلى والعين والجلطات الدماغية والسكري والضغط والذبحات الصدرية، الأمر الذي أثار شكوك الحقوقيين في مصر والعالم بأن السجون صممت للسياسيين حتى يموتوا فيها.
كما حصل استقصائي "الموت البطيء" على شهادة لأحد أطباء السجون السرية، قال فيها إن إدارات السجون تتعمد رفض نقل المعتقلين السياسيين الذين يعانون من حالات مرضية خطيرة إلى المستشفيات، أو تتباطأ في ذلك بانتظار وفاتهم.