"قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة".. ذلك ما تنبأ به النبي صلى الله عليه وسلم في العصور الفاضلة، أما في زمن الانقلاب فلا مكان لقاضٍ نظيف يحكم بالعدل يخشى جهنم ويرغب في الجنة، وكان ملف القضاة من أهم الملفات التي طالب ثوار 25 يناير فتحها، وكان شعار "تطهير القضاء" أحد البنود العشرة التي اتفق عليها الثوار كدستور لهم في ميدان التحرير.
وكانت عنوانا كذلك لإحدى المليونيات الأولى التي أعقبت رحيل مبارك، وهو ما أزعج القضاة، وجعلهم متنمرين ضد أي نظام جديد يمكن أن يُفعّل هذا الشعار بشكل حقيقي، ولذلك فإن تأييدهم للانقلاب العسكري، ودعمهم بعد ذلك للسفاح عبد الفتاح السيسي، كان أحد أسبابه بأن يظل ملف التطهير مغلقا.
قبضة السفاح
وأصدر السفاح السيسي اليوم الخميس قراره بعزل محمد السيد عبدالحليم السيد، النائب بمجلس الدولة من وظيفته، وطالب القرار الذي يحمل رقم 472 لسنة 2020 ونشر في عدد الجريدة الرسمية، وزير العدل في حكومة الانقلاب بتنفيذه.
ولم يتسرب إلى الآن المخالفة التي ارتكبها النائب المفصول "السيد"، وأدت الى غضب عصابة الانقلاب وإعفائه من خدمة العسكر، تقول الناشطة فاطمة العبودي :"القضاه في مصر فاكرين إنهم بيحموا نفسهم ومراكزهم لما بيسمعوا كلام النظام ويمشوا وراه والنتيجة هي إن حتى مركزاهم وسلطاتهم اللي كانوا بيحاولو يحافظوا عليه راح منهم وبقوا مهزقين عند النظام و الشعب . مبروك".
ويري الباحث السياسي "أسامة أمجد" أن السفاح السيسي فاق مبارك عندما استطاع توريط السلطة القضائية كشريك في جرائمه ضد معارضيه، مستخدما سلاح ملفاتهم القذرة والسيئة، كوسيلة ضغط عليهم، إذا ما أرادوا أن يسيروا في عكس اتجاهه السياسي، وهو ما يبرر موافقتهم على عسكرة القضاء، عندما سمحوا بأن يشاركهم القضاء العسكري في محاكمة المدنيين أيا كان مسمي ذلك.
ويضيف أمجد أن القضاة تخلوا أيضا عن استقلالهم عندما وافقوا عن طيب خاطر بأن يكونوا "سكرتارية" تأتيها أحكام الإعدامات والمؤبدات من مكتب السفاح السيسي مباشرة، ليقوموا هم فقط بمنحها صك الشرعية والقانونية.
عصابة الانقلاب
وحسب وصف الخبير الدستوري أحمد الكومي، فإنه بالرغم من أن التعديلات تمثل تغييرا جوهريا في الفلسفة التي قامت عليها الدساتير المصرية منذ دستور 1923، بالفصل بين سلطات الدولة الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، إلا أن عصابة الانقلاب سيطرت عليها بعدة إجراءات، كانت سببا في الصمت المخزي لقضاة مصر.
ويضيف الكومي أن نظام مبارك جعل القضاة أحد أركان الدولة العميقة، عندما تعامل معهم بسياسة العصا والجزرة، ولذلك اهتم أن تكون مكونات قطاع القضاة تحت سيطرته الدائمة، بالتوسع في تعيين ضباط الشرطة بالهيئات القضائية، خاصة الذين عملوا بأمن الدولة، حتى يستطيع أن يتحكم في مفاصل العدالة. مشيرا إلى أن الخطوة الثانية كانت بغض الطرف عن توريث القضاء، والذي جعل الحصول على فرصة للعمل بهذا القطاع من غير الفئتين السابقتين أمرا في غاية الصعوبة، إن لم يكن مستحيلا، خاصة أن هذه التوليفة كانت تمثل ما لا يقل عن 90% من قوام السلك القضائي، بما فيها النيابة العامة.
وحسب توصيف الخبير الدستوري، فإن هذا القوام كان سببا في تحدي القضاة للرئيس الشهيد محمد مرسي عندما عزل النائب العام عبد المجيد محمود، وعين بدلا منه المستشار طلعت عبد الله، وكذلك تحديهم لمرسي عندما قرر إعادة العمل لبرلمان الثورة الذي قامت المحكمة الدستورية بحله.
ويوضح الكومي أن المجموعة "النشاز" التي خرجت عن هذه المنظومة الفاسدة تمثلت في قضاة تيار الاستقلال، الذين كانوا في طليعة الذين تخلص منهم السفاح السيسي بالأيام الأولى لانقلابه، وبالتالي فإن عموم القضاة هم أبناء للنظام الحاكم وجزء من فساده، ومكون أساسي بدولته العميقة، ولأن شعارهم الأساسي هو "عض قلبي ولا تعض رغيفي"، فإن توقع أي رد فعل منهم ضد التعديلات مستحيل.