دراسة تتوقع تفكيك السلطة وإعادة تركيبها بعد اتفاق التطبيع الإماراتي

- ‎فيتقارير

توقعت دراسة حديثة انهيار السلطة الفلسطينية اتساقا مع مخططات التفكيك والتركيب التي تقوم بها حكومة الاحتلال الصهيوني من أجل تسويغ مخططات ضم الضفة الغربية المحتلة وتنصيب قيادة  جديدة على رأس السلطة تكون أكثر خنوعا وانصياعا لأوامر وتوجهات الاحتلال والقبول الكامل بما تسمى بصفقة القرن الأمريكية. إضافة إلى أن هناك عوامل أخرى بالغة الأهمية، تسهم في التعجيل  بانهيار السلطة، ومن أهمها  أن سلطة رام الله باتت على حافة الانهيار المالي؛ وقد حذر مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، من أن السلطة الفلسطينية على حافة الانهيار الاقتصادي، إذ انخفض دخلها بنسبة 80 في المائة، وقال إن ذلك يأتي في وقت يحتاج فيه الفلسطينيون في جميع أنحاء الأراضي المحتلة إلى خدمات ودعم من السلطة الفلسطينية أكثر من أي وقت مضى.

الدارسة التي نشرها موقع "الشارع السياسي" تحت عنوان "مستقبل السلطة الفلسطينية بعد التطبيع الإماراتي" تعزو أسباب رفض السلطة الفلسطينية لاتفاق التطبيع الإماراتي إلى خوف السلطة ورئيسها محمود عباس ابو مازن من الإطاحة به وبمنظومة السلطة في شكلها الحالي ضمن مخططات إعادة تصميم وهندسة المشهد الفلسطيني الذي يجري ضمن سياق محاولات تصميم المشهد الإقليمي كله بما يضمن تجذير المشروع الصهيوني وتكريس تفوقه بل دمجه وقيادته لتحالف إقليمي يضم عواصم تحالف الثورات المضادة (السعودية ــ الإمارات ــ مصر) تحت رعاية أمريكية خالصة.

واستدلت الدراسة على ما توصلت إليه بتقدير موقف نشره مركز أبحاث الأمن القومي الصهيوني، يحذر  من تداعيات اتفاق التطبيع الإماراتي مع الكيان الصهيوني على مستقبل السلطة الفلسطينية والإسهام في إضعاف مكانة السلطة، وتعجيل انهيارها بشكل يفضي إلى انفجار الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية، و"تحسين فرص حل الدولة الواحدة". ويعترف مركز الأبحاث الصهيوني أن الرفض الفلسطيني لصفقة القرن ينطلق من قناعتهم بأنها تتبنى مواقف اليمين الصهيوني وأن الهدف الأساسي منها هو تدشين تحالف عربي صهيوني أمريكي، وأن اتفاق التطبيع الإماراتي هو جزء من صفقة القرن وجزء من المخططات الأمريكية لتدشين هذا التحالف.

وبحسب الدراسة فإن أزمة السلطة الفلسطينية مع اتفاق التطبيع الإماراتي أنه جرى دون تنسيق مع السلطة من جهة، ويفضي إلى تهميش دورها أمام حكومات الاحتلال والحكومات الغربية من جهة أخرى، ويسقط المبادرة العربية التي تقررت في قمة بيروت سنة 2002م، والتي تتبناها السلطة كخطة عربية بديلة للمخططات الصهيونية والأمريكية؛ وبالتالي يؤدي التطبيع الإماراتي إلى انتهاء مرحلة كانت السلطة فيها تمارس  «حق الفيتو» ضد أي عاصمة عربية تقترب من تطبيع العلاقات قبل التوصل إلى حل يقوم على انسحاب العدو الصهيوني إلى حدود ما قبل 5 يونيو 1967م. وتدشين دولة فلسطينية، عاصمتها القدس وضمان حق عودة اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى قراهم ومدنهم المحتلة.

سيناريوهات المستقبل

وانتهت الدراسة إلى أن السلطة معرضة لثلاثة خيارات: الأول هو تنبي خيار المقاومة المسلحة. والثاني، قبول السلطة بالعودة إلى طاولة المفاوضات دون شروط. والثالث، هو الصراع على خلافة عباس وما يترتب عليه من فوضى وعنف وفلتان أمني سوف تتحكم فيه أجهزة الاحتلال عن  بعد.

وتخشى تقديرات موقف عبرية من أن تفضي التحولات الأخيرة إلى تعاظم التنافس داخل حركة "فتح" على القيادة. ولم يستبعد معدا تقرير مركز الأبحاث الصهيوني أن تتحرك بعض القيادات الفتحاوية بهدف الإطاحة بالرئيس الفلسطيني، محمود عباس. ولا يستثني المركز إمكانية أن تفضي هذه التطورات إلى عودة القيادي المفصول من "فتح" محمد دحلان، المدعوم إماراتياً، الذي تم طرده من صفوف الحركة، والذي تفضله أيضا الكيان الصهيوني والولايات المتحدة. ووفق توقعات المركز، فإن دحلان سيحظى بدعم مصري وسعودي، بفعل طابع العلاقة التي تربط الإمارات بهاتين الدولتين. وتوقع مركز الأبحاث الصهيوني أن يفضي عدم وجود توافق داخل المعسكرات المتنافسة في الساحة الفلسطينية إلى الحيلولة  دون استقرار الواقع الفلسطيني، وهو ما قد يفضي في النهاية إلى انهيار السلطة الفلسطينية. وبالتالي يعزز هذا الفرض ـ حال حدوثه ــ من فرص تكريس حل "الدولة الواحدة" بين النهر والبحر.

معنى ذلك أن حكومة الاحتلال ربما تدفع باتجاه تأزيم الصراع على السلطة بعد التخلص من أبو مازن سواء بوفاته بشكل طبيعي لكبر سنه وهو أمر متوقع، أو حتى عبر عملية اغتيال احترافية؛ بحيث تظهر كما لو أنه لقي حتفه بصورة طبيعية، وبالتالي من المتوقع أن يفضي ذلك إلى اندلاع موجات من العنف والفوضى بين أجنحة السلطة المتصارعة ومعظمهم للأسف عملاء للاحتلال، وبالطبع ستسهم حكومة الاحتلال في إشعالها عبر عملائها أو أجهزتها الأمنية والمخابراتية؛ على أن يتزامن مع هذه الفوضى دعوات فلسطينية مشبوهة إلى حكومة الاحتلال بالتدخل بشكل مباشر لوقف الصراع والقضاء على الفوضى والعنف والفلتان الأمني؛ وبالتالي تحقق حكومة الاحتلال مآربها باحتلال كل الضفة الغربية بدعوات فلسطينية على أن تبدو في صورة من يسعى لإقرار الأمن  والاستقرار وإطفاء نيران العنف والفوضى والفلتان الأمني. ولا مانع بعد ذلك من إعادة تصميم وهندسة السلطة بما يتماشى تماما مع أهداف الاحتلال ومخططاته الإجرامية، وتصعيد دحلان على رأس السلطة المصممة أساسا لخدمة مشروع الاحتلال.

مخاوف السلطة

ويعزز من مخاوف السلطة ورئيسها وبعض قادة أجهزتها الأمنية الكبار، أنه بعيد الاتفاق الإماراتي الصهيوني، احتفت الصحف العبرية بما وصفته "مستشار بن زايد السري"، محمد دحلان، القيادي الفلسطيني المفصول من حركة فتح والمستشار الخاص لولي عهد أبوظبي، معتبرة أن "الصفقة تمت بفضل دحلان، الرجل الذي يهمس في أذن حاكم الإمارات، والذي قد يتوج كخليفة لمحمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية".

واستبعدت الدراسة السيناريو الأول، لأن السلطة وأجهزتها السياسية والأمنية حذفت من قاموسها أي تقدير للمقاومة بعد انغماس قادتها في البيزنس وبسط النفوذ والصراع على السلطة،  لكن ذلك لا يمنع من أن حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ربما تستغل الغضب داخل أجنحة بالسلطة وحركة فتح ومنظمة التحرير لتعزيز وجودها في الضفة، من خلال التحالف مع أجنحة فتحاوية تؤمن باسئناف المقاومة المسلحة.

أما السيناريو الثاني فهو ما تدفع باتجاهه واشنطن وتل أبيب وعواصم تحالف الثورات المضادة (أبو ظبي ــ  الرياض ــ القاهرة). وبالتالي يتجه هذا التحالف نحو إحداث تحول إيجابي على نمط تعاطي تل أبيب مع السلطة الفلسطينية؛ لتحسين قدرتها على الحكم واستعادة التنسيق الأمني معها وإشراكها في المشاريع الاقتصادية والتكنولوجية التي يمكن أن تدشنها إسرائيل والإمارات. وذلك من منطلق أن المصلحة الإسرائيلية تتطلب أن تكون السلطة الفلسطينية جزءا من التعاون الإقليمي الذي يفترض أن يتطور بعد الاتفاق.

فإذا فشل الاحتلال وحلفاؤه في إجبار السلطة على مزيد من الخنوع فالسيناريو الثالث هو إشعال حرب وصراع على خلافة أبو مازن على رأس السلطة بعد التخلص من الأخير بعملية اغتيال غامضة. وبذلك تتحول مناطق السلطة إلى ساحة قتال وفوضى يبرر بها الكيان الصهيوني ضم الضفة مستقبلا، وتنصيب عميلها دحلان على رأس السلطة. وعندها لا يبقى إلا التعويل على المقاومة، أما أجهزة السلطة الأمنية فقد أفسدهم المال الأمريكي والإسرائيلي؛ فهم عقبة في طريق  التحرير، ولن يكونوا أبدا دعما لقضية التحرير والمشروع الوطني الفلسطيني.