من جديد، حذر خبراء من تحويل مياه النيل إلى سلعة قابلة للتسعير كما هو حال النفط وغيره من السلع، غير أن يمكن أن يستغني الإنسان عن أغلب السلع ولكنه لا يستطيع ذلك مع الماء أو الهواء. ولكن السيسي منشغل اليوم بإبادة الشعب عن مخالفات البناء وبحول انقلابي فريد يدرك أزمة سد النهضة وخطورته ولكنه إلى الآن يتعامي عنها ولا يتخذ -وغير متوقع ذلك- موقفا يعيد الحقوق المصرية في مياه النيل لاسيما بعد اكتمال بناء السد وملء بحيرته.
وقال الصحفي محمد أحمد عوض إن الأطماع الإثيوبية التاريخية في حقوق الغير المائية، تهدف بعد إكتمال الملء النهائي لسعة بحيرة السد بكمية 74 مليار متر مكعب إلى استحداث (بورصة مائية) للابتزاز وتهديد دول الجوار.
وحذر من ان التحلية لن تفي لمصر بما ستفقده من مياه النيل، ملمحا إلى أن "تحلية المتر المكعب الواحد (ألف لتر) من مياه البحر، تكلفته 9 جنيهات ولا يستطيع تحمل ذلك إلا الاقتصاديات القوية، مشيرا إلى أن السعودية بقدراتها الهائلة تقوم بتحلية مياه البحر بالتسخين والتكثيف بمخزونها البترولي الضخم، ولكن لدينا "لا بديل عن مياه نهر النيل".
ولفت إلى أن الأضرار الاقتصادية الفادحة لشح المياه ولجوء الدول لتحلية مياه البحر لا يمكن إنكارها. وكشف أن لتخزين إثيوبيا لمياه النيل تأثيرات ضخمة، مشيرا إلى أن الفيضانات التي تعاني منها السودان اليوم وتسبب الدمار والخراب كان لافتا أنه جاء بعد تعبئة بحيرة سد النكبة بـ 5 مليارات متر مكعب وبطريقة غير عادية أيضاً.

لعبة بنوك
وكان كتاب ”سد النهضة.. لعبة بنوك المياه في حوض النيل” للكاتب الصحفي مصطفى خلاف، قال إن البنك الدولى قد تبنى المفاهيم الخاصة بتسعير وخصخصة المياه في تقريره المنشور عام 1997 تحت عنوان ”من الندرة للأمان”، حيث يرسم هذا التقرير إطارا عاما لسياسة طويلة المدى لإدارة عرض المياه، والطلب عليها في الشرق الأوسط، ويرى أن الأسلوب الأمثل هو إقامة سوق عالمية وإقليمية للمياه، وأن جامعة هارفارد الأمريكية تبنت في دراستها لمشكلة المياه في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي الأخرى نموذج تسعير المياه بالتزامن مع تقرير البنك الدولي.
وحذر من أنه حال نجاح المخطط الإثيوبي في ملء وتشغيل السد، فإنها ستحجز لنفسها 6.5 مليار متر مكعب في السنة، وتطلق الباقي بمعدل 3.6 مليار متر مكعب في الشهر، ”بعد حجز 3% من الماء سيضيع في البخر في هذا الخزان”، لاستخدامات مصر والسودان وإطلاق الماء بانتظام من إثيوبيا، وفي المقابل إلغاء دور السد العالي .

مبادرة حوض النيل
وقال الصحفي محمد مرسي إنه في عام 1992م، دعا البنك الدولي لـ"مبادرة حوض النيل" وخلاصتها أنه يجب بناء سدود (على النيل كما هو الحال على جميع الأنهار) للاستفادة من المياه في توليد الكهرباء وعمليات التنمية، لكن هذه السدود تحتاج إلى أموال طائلة لا تملكها دول المنبع الفقيرة".
وأضاف تسليع المياه هو دور البنك الدولي والشركات متعددة الجنسيات الذي سيقرضها الأموال على أن يتم السداد من خلال المكاسب التي ستجنيها هذا الدول من مشاريع السدود، حيث أكد البنك على أن المياه "سلعة تحتاج إلى تسعير" مشددا على ضرورة إيجاد "بورصة مياه"!.
وأشار إلى أن هذا التوجه لقي ترحيبا من أثيوبيا التي تنزل عليها كميات مهولة من الأمطار تريد أن تستفيد منها باعتبارها ثروة كالنفط تماما، حيث يمكن بيعها للبلدان الفقيرة مائيا عبر بناء سدود تحتجز المياه ثم تمررها باتفاقات مقابل المال.
مصر في عام 1997 رفضت التوقيع على اتفاقية دولية جديدة حول هذه المسألة رغم الضغوط، وأكدت على تمسكها بالاتفاقات القديمة التي تضمن حصتها كاملة في مياه النيل، واستمر هذا الرفض حتى 2015 عندما وقع السيسي على اتفاقية الخرطوم التي مثلت خرقا حقيقيا للموقف المصري المتماسك منذ عقود.
واعتبر أن تنازل "النظام المصري" غالبا جاء بسبب ضغوط دولية في وقت احتاج فيه للدعم الدولي بعد الانقلاب، ولأموال صندوق النقد والبنك الدوليين. ومن بين الضاغطين كانت إسرائيل التي تحتاج بشدة للمياه، والتي من المتوقع أن تكون أحد أهم المشترين لمياه النيل التي غالبا ستصلها عبر سحارات تجري تحت قناة السويس، وذلك في مقابل المساهمة في نقل تكنولوجيا تحلية المياه وترشيد الري إلى مصر.
وخلص إلى أنه لا توجد حرب، والنظام المصري قرر أن يخضع للضغوط الدولية وسيشتري المياه من أثيوبيا ويصدر جزء منها لإسرائيل، والخلاف فقط على التفاصيل من حجم المياه والمقابل وسنوات الملء. أما أخطر ما في الموضوع فهو أن القرار المصري سيكون تحت رحمة أثيوبيا ومن خلفها إلى ما شاء الله. لأن محبس مياهنا سيكون تحت أيديهم، وضرب السد لن يكون ممكنا بعد الملء.