انفعال قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، خلال افتتاح عدد من المشروعات الوهمية بمحافظة الإسكندرية عبر الفيديو كونفرانس في حضور بعض قادة الجيش ورئيس حكومة الانقلاب وعدد من المسئولين بحكومته تزامن مع ذكرى يوم "عاشوراء"، وهو اليوم المشهود الذي جرى فيه شق البحر ونجاة نبي الله موسى عليه السلام ومن معه من المؤمنين وهلاك فرعون وجيشه المصري كله في مياه البحر الأحمر.
ولم يتحدث القرآن الكريم عن جيش جرى هلاكه كله كما تحدث عن جيش مصر في عهد الطاغية فرعون؛ وقد ذكر الله ذلك في أكثر من عشرة مواضع من القرآن؛ لأنهم تحولوا من جيش وظيفته حماية شعبه وبلاده إلى عصابة وظيفتها حماية نظام فرعون الحاكم حتى لو طغى وتكبر على الناس، وفي سبيل ذلك ارتكبوا أبشع الجرائم من القتل والظلم وتلفيق التهم للأبرياء والزج بهم في السجون، وتمزيق وحدة الشعب وجعله شيعا بحسب الولاء للحاكم لا للوطن، وساموا الفقراء والمستضعين صنوف العذاب المهين، ونشروا الفساد في الأرض كبرا وعتوا؛ فاستحقوا الهلاك في معجزة سوف تبقى الأجيال ترويها إلى يوم القيامة ويتعبد بها المسلمون كل يوم في صلاتهم.
أما الجيش الثاني الذي جرى هلاكه عقابا من الله فهو جيش أبرهه الإثيوبي "الحبشي"، الذي صمم على تدمير الكعبة قبل ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم في عام سمي بعام الفيل بسبب هذه الحادثة؛ فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل وهي أشبه ما تكون بالشهب والنيازك (حجارة مشتعلة في الفضاء) التي رمى الله بها جيش أبرهه فهلكوا جميعا.
وحول غضب السيسي وانفعاله هناك عدة ملاحظات:
أولا، بدا أن قائد الانقلاب غاضب بشدة لأسباب كثيرة، يمكن عزوها إلى التقارير التي تصله من جهات "سيادية" وتؤكد أن شعبية النظام في الحضيض، هذه الجهات (المخابرات العامة ــ المخابرات الحربية ــ الأمن الوطني) على يقين كامل بأن شعبية النظام متدنية إلى مستويات بالغة الخطورة؛ ويكفي للتدليل على ذلك ما جرى في مسرحية انتخابات ما يسمى بمجلس الشيوخ؛ إذ بحسب الأرقام الرسمية (المشكوك فيها أصلا) بلغت عدد المشاركين في هذه المسرحية نحو 9 ملايين فقط من أصل نحو 63 مليونا، رغم الرشاوى الانتخابية التي وصلت بالصوت الواحد من 50 إلى 200 جنيه باختلاف الأماكن والمرشحين على المستوى الفردي، لكن الأرقام الرسمية مشكوك فيها فهذه المسرحية لم يشارك فيها مطلقا نحو 9 ملايين والجهات الأمنية تعلم ذلك بقين كامل. ولعل ذلك سبب الإعلان عن تحويل نحو 54 مليون مصري للنيابة من أجل تطبيق غرامة التخلف عن الانتخابات والتي تصل إلى 500 جنيه، بهدف إجبار قطاعات من الجماهير نحو المشاركة في مسرحية البرلمان التي يجري حاليا تصميها وهندستها على مقاس النظام بما يضمن سيطرته الكاملة على السلطة التشريعية من الألف إلى الياء. ذلك أن عزوف الناس برهان واضح على عدم قناعة المواطنين بمؤسسات هذا النظام العسكري الذي أهدر إرادة الجماهير الحرة لأول مرة في أعقاب ثورة 25يناير وأطاح بكل المؤسسات المنتخبة بنزاهة بانقلاب وحشي دموي بثته الفضائيات بثا مباشرا ورآه ملايين الناس.
ثانيا، بدا تركيز السيسي في غضبه على مخالفات البناء على الأراضي الزراعية وهدد بنشر الجيش لإبادة هذه المخالفات بآلاف القرى والمدن في جميع المحافظات، وهي رسالة تؤكد أن النظام فشل فشلا ذريعا في تحصيل غرامات مخالفات المباني والتي كان يعول عليها السيسي كثيرا من أجل تحصيل مئات المليارات من الجنيهات في وقت عصيب تراجعت فيه موارد الدولة لأسباب تتعلق بتراجع معدلات الإنتاج وتداعيات تفشي جائحة كورونا.
ثالثا، تهديدات السيسي ونرفزته يسعى من خلالها إلى تحميل مسئولية ما آلت إليه أوضاع مخالفات البناء من أضرار جسيمة، على الرقعة الزراعية والأراضي الداخلة في أملاك الدولة وأوضاع المرافق المتهالكة وغياب التخطيط، لكل الجهات التنفيذية تقريباً عداه هو والجيش، على الرغم من أنه المتحكم الأول في كل شاردة وواردة منذ صيف 2013. وهو تعبير أيضاً عن أحد وجوه خطابه السياسي الموجه للداخل دائماً، فجميع الإنجازات تنسب للسيسي والقوات المسلحة، أما التجاوزات والمخالفات فيحملها السيسي للأجهزة الحكومية، من محافظين ومحليات وشرطة ووزارات قائمة على التخطيط والمرافق والفحص والرصد. وأكد السيسي هذه الرؤية من خلال تهديده الصريح للمواطنين بـ"نزول الجيش لجميع القرى لضبط المخالفات"، وتهديده الآخر للمسؤولين التنفيذيين الذين لا يستطيعون تنفيذ تعليماته بهدم المباني المخالفة لأسباب اجتماعية أو دينية، أو من لا يستطيعون جمع أكبر قدر ممكن من المبالغ المالية الخاصة بطلبات التصالح، بقوله "إما تكونون رجالاً أو شيئاً آخر". كما طالب السيسي المحافظين ومديري الأمن مساعدي وزير الداخلية، الذين يفشلون في تنفيذ تلك التعليمات، بالاستقالة الفورية.
رابعا، يرتبط بحالة الهيجان التي بدا عليها السيسي التقارير التي تؤكد تصاعد مستويات الغضب الشعبي جراء وقف أعمال البناء لمدة ستة شهور ؛ وهو القرار الغريب والشاذ الذي ثبت أنه لا يتعلق بتداعيات كورونا بقدر ما يتعلق بمصالح النظام واستكمال عاصمته الإدارية. وهو القرار الذي أدى فعليا إلى شلل كامل في سوق المعمار وتحويل ملايين العاملين في هذا القطاع الحيوي إلى طابور العاطلين عن العمل،
خامسا، حديث السيسي عن إجراء استفتاء حول بقائه في السلطة هو ثرثرة بلا معنى لعدة أسباب، أولا أن من جاء على ظهر دبابة لا يطاح به بإجراء ديمقراطي. ثانيا أن السيسي نفسه وصف من سيأتي به الشعب بعده بأنه سيخرب البلد بمعنى أنه لا يثق في أحد غيره في الحكم ويرى نفسه الوحيد القادر على حكم البلاد رغم الفشل الذي يضرب كل قطاعات الدولة. ثالثا، أن السيسي لن يستطيع أصلا إجراء استفتاء نزيه لأنه بالأساس لا يؤمن بالديمقراطية ولا حتى بحق الشعب في تقرير مصيره واختيار حكامه وطالما كرر هذه المقولات كثيرا أمام قادة الغرب مدعيا أن الديمقراطية لا تصلح في بلادنا.
سادسا، في الوقت الذي سخر فيه السيسي من اللجان الحكومية المكلفة بالنزول لمعاينة الأوضاع على الأرض وضبط المخالفات وفحص التراخيص، والتي اتهمها ضمنياً بالتراخي والتقاعس، أعلن إنشاء آلية جديدة لمراقبة المخالفات على مستوى الجمهورية باسم "منظومة البنية المعلوماتية المكانية" التابعة للقوات المسلحة، والتي أنفقت عليها الدولة مئات الملايين من الجنيهات لشراء صور فضائية شاملة لجميع المناطق المصرية منذ عام 2011 وحتى الآن، من بعض مقدمي الخدمة العالميين، لتتمكن الآلية من رصد تطور المخالفات.
وبحسب مصادر حكومية مطلعة، فإن هذه الآلية سبق أن طالبت بها الحكومة مرات عدة، ممثلة في الوزارات والأجهزة المعنية بالرقابة على الأراضي، مثل وزارات الإسكان والزراعة والسياحة والعدل، وكان هناك مشروع لإنشائها منذ 5 سنوات، لتكون تابعة مباشرة لرئاسة الوزراء، لكن ما حدث هو شراؤها لحساب الجيش وإسناد إدارتها للهيئة الهندسية للقوات المسلحة. وحصل ذلك بحجة "ضرورتها لمتابعة تقدم المشاريع القومية التي تنفذها" هذه الهيئة، وهو ما يكرس الوضعية المتميزة للجيش. وارتباطاً بانتقاد السيسي للمحافظين والمحليات، فإنه ينوي توسيع دور هذه الآلية لتؤدي الدور المسند للجهات التنفيذية المختصة بالفحص والمعاينة وإعداد تقارير الخبرة والتقييم.