تمثل الحالة التي بدا عليها قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي خلال افتتاحه عدة مشروعات وهمية بالإسكندرية عبر الفيديو كونفرانس صباح السبت 29 أغسطس 2020م، لغزا يحتاج إلى تفسير؛ فالموقف -بحسب الظاهر للعيان- لم يكن يستدعي كل هذا الغضب والانفعال ثم التهديد والوعيد والتصريح بعبارات غريبة تعكس عدم التوازن في الشخصية، وتؤكد أن صاحبها يعاني من اضطرابات نفسية حادة تتصارع بشدة في عقله، وتخرج عن طور الرصانة إلى حالة من الهياج والغضب والانفعال الذي يمكن أن يصل إلى مرحلة من الجنون.
فالسيسي وسط قادة من الجيش وعدد من وزرائه بينهم رئيس حكومته مصطفى مدبولي، أولا، هدد الشعب كله بإنزال الجيش إلى كل القرى والمدن في البلاد من أجل إبادة ما وصفها بالتعديات على الأراضي ووقف بناء المنازل والمنشآت المخالفة. وهاجم السيسي تذمر المواطنين من التصدي للاعتداء على الأراضي والبناء بالمخالفة للقانون وقال: "ما ينفعش الدولة تغيب تاني، لو غابت تاني، يبقى بتأجلوا التطوير 100 سنة، وأنا ما أقدرش أقبل كده، الناس هتبقى زعلانة ومتضايقة، لو مش عايزني أبقى موجود هنا ما عنديش مشكلة، مستحيل أبقى في مكان وأسيب الإصلاح بما يرضي الله".
ثانيا، قارب السيسي بين سد النهضة والتعدي على الأراضي الزراعية وقال محذراً المصريين: "الناس قلقلون جداً بخصوص سد النهضة والمياه، لكن موضوع التعدي على الأراضي الزراعية خطير جداً، ولن أقول بس النسبة لكنه خطير جداً".
ثالثا، في نبرة من الانفعال، قال السيسي إنه على أتم الاستعداد لترك السلطة وطرح بقاءه في الحكم على الشعب في هيئة استفتاء إذا كان ذلك سيحقق مطالب الشعب كافة. وقال صراحة في المؤتمر على الهواء مباشرة: "لو أردتم أن أغادر ليس عندي مشكلة، لكن طالما هناك مكان للإصلاح أمامي، فسأتمسك فيه وأخلصه".
رابعا، حذر السيسي من تأجيل ما أسماها بالمشروعات القومية؛ لأن ذلك يؤثر سلباً على الدولة المصرية حسب قوله، وقال: "الدولة غابت قبل ذلك، ولا يمكن أن تغيب مجدداً، لأنها لو غابت مرة أخرى سنضطر للتأجيل (المشاريع)". مضيفا أن تأجيل المشاريع سيؤدي إلى غياب مصر لمئة سنة أخرى". وقال "إما أن نقف ونحول مصر لدولة مضبوطة، إما أن أترك مكاني وأمشي من هنا، ويأتي أي شخص آخر يتولى البلاد ويضيعها ويخربها".
خامسا، تحدث السيسي عن قلق المصريين من ارتفاع الدين العام الداخلي والخارجي، وقال: "إحنا قدامنا حل من الاتنين يا إما نبني البلد يا إما نتوقف، ولو توقفنا الدولة هتتراجع والشعب هيعاني". مضيفاً: "الحل هو الاقتراض بأرقام ميسرة إلى حد كبير، مع الوضع في الاعتبار قياسات الدين، والدخول به إلى الحدود الآمنة".
ارتباك بعد وسم #مش_عايزينك
في المقابل تفاعل نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي مع حديث قائد الانقلاب، ودشن النشطاء وسم #مش_عايزينك والذي تصدر قائمة الأكثر تداولا المصرية، متجاوزا 110 آلاف تغريدة، في حين دشنت الكتائب الإلكترونية عدة وسوم للتغطية عليه، كان أشهرها #شعب_مصر_معاك_ياريس، والذي لم يتجاوز 51 ألف تغريدة.
الوسم الذي انتشر كالهشيم في النار تسبب في حالة ارتباك داخل الأجهزة الأمنية التي راحت توجه الآلة الإعلامية التابعة للنظام العسكري بضرورة مواجهة هذا الغضب الشعبي والتغطية على حالة الغضب وعدم التوازن التي بدا عليها السيسي في تصريحاته. وحاولت الأذرع الإعلامية تبرير غضب السيسي بالخوف على البلد، فقال الديهي في برنامجه "بالورقة والقلم" على فضائية ten، إن غضب السيسي منبعه حديثه مع المصريين من القلب، وليس كباقي رجال السياسة، وحديثه الغاضب كان عكس القواعد السياسة. وبرر انفعال السيسي بأنه متألم لرؤية بلاده تتآكل رقعة بعد رقعة بسبب المخالفات في البناء.
ويعزو المذيع الأمنجي أحمد موسى حالة الهيجان التي بدا عليها السيسي إلى عدم تقدير المصريين لما أسماها بالإنجازات التي قام بها السيسي خلال السنوات الماضية. وادعى أن "الصورة اللي أغضبت السيسي كانت لتجريف أراضي زراعية في الدلتا وتحول المساحات الخضراء لبيوت". أما سيد علي على قناة "الحدث اليوم"، فأيد السيسي في فكرة "شبه الدولة"، وبرر غضبه بانتشار العشوائيات، لكنه حمل فساد المحليات مسؤوليتها، وألمح لسكوته هو والدولة على محاسبتها. وقال: "أين المحافظون ورؤساء الأحياء وموظفو المحليات وكل تلك المباني المخالفة تظهر أمام أعينهم والدولة لم تحاسبهم".
مم يخاف السيسي؟
بالطبع تبريرات الأذرع الإعلامية هي محاولة للتغطية على الأسباب الحقيقة وراء انفعال السيسي وهيجانه، فالسيسي يبدو كمن يحارب طواحين الهواء، ويشتبك مع عدو لا يراه، يرى السيسي نفسه محاصرا دون أن يعرف بالضبط من الذي يحاصره، ويبدو خائفا دون أن يدري أسباب هذا الخوف رغم أنه يهيمن فعليا على جميع مفاصل الدولة وأجهزتها الأمنية من الألف إلى الياء، فمم يخاف السيسي؟ وهل التهديد بإنزال الجيش إلى كافة القرى والمدن يوجه لبعض المواطنين من المخالفين في البناء أم أنه تهديد ينطوي على رسائل سياسية لجهات لا نعرفها؟ فهل يخشى السيسي من اقتراب نهايته؟ أم أن هناك تقارير تؤكد له تزايد معدلات الغضب عليه بصورة واسعة حتى داخل مؤسسات الدولة؟ أم أنه رأى في منامه كابوسا أزعجه وأثر على حالته النفسية فبدا على هذا النحو من الجنون والخرف؟!
تصريحات السيسي تؤكد أنه على يقين كامل أن الشعب لا يريده، وأنه جاثم على عرش البلاد بأدوات البطش والقمع ولولا ذلك لرأى طوفانا من البشر يثورون ضد ظلمه وفساده وإجرامه. فهل اقتربت نهاية الطاغية؟ وهل هناك جهات يخشى بأسها داخل الجيش ومؤسسات الدولة؟ أم أن حالة الهيجان والغضب التي بدا عليه انعكاس لحالة شاذة من جنون العظمة والشعور الجارف بالذنب بعد الدماء الغالية التي سفكها طمعها في الحكم والسلطة؟
على كل حال، نهاية السيسي قد اقتربت، وكل يوم يمضي يدنيه من النهاية المحتومة، التي ستكون عبرة لكل الطغاة ودرسا لكل الظالمين الذين يختطفون الأوطان لحسابات مصالحهم وأطماعهم ويذيقون الناس صنوفا من العذاب والألم من أجل أن يبقوا هم مستكبرين على أكتاف الناس وجراحهم.