جاءت تصريحات رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي الثلاثاء 28 يوليو 2020م خلال افتتاحه منطقة الرويبكي تحمل ثلاثة رسائل تتعلق بملف سد النهضة الإثيوبي في محاولة لرسم صورة لسيناريوهات المرحلة المقبلة والكشف عن الطريقة التي يفكر بها للتعاطي مع هذه الأزمة المستعصية والتي تهدد يتجويع مصر والاعتداء على حصتها المائية وأمنها القومي.
وحملت تصريحات السيسي ثلاثة رسائل سلبية:
الرسالة الأولى هي الإعلان صراحة عن التزامه بمسار التفاوض مع إثيوبيا من أجل حل الخلافات المتعلقة بأزمة سد النهضة، وقال السيسي إن مصر تخوض "معركة تفاوض" مع الجانب الإثيوبي، للوصول إلى حل بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة. وشدد رئيس الانقلاب، على أن "حل أزمة سد النهضة سيكون بالتفاوض وحده، لأن الخير سيأتي لمصر من هناك"، معتبراً أن "عدالة قضية السد هي أن حضارة المصريين قائمة على المياه منذ آلاف السنين". وأقر السيسي أن مصر ستواجه فترات صعبة مع استكمال إنشاء السد، ولا بديل عن نجاح مصر في التفاوض"، مشدداً على ضرورة حفاظ المصريين على مياه المصارف، وعدم التعدي على الترع. ولم يتطرق السيسي مطلقا إلى فشل هذا المسار الذي ثبت أنه عبثي تستهدف به أديس أبابا اكتساب المزيد من القوقت حتى الانتهاء من بناء السد وحجز المياه أمام بحيرته.
الرسالة الثانية هي انتقاد الداعين إلى استخدام القوة العسكرية ضد سد النهضة والقيام بتدمير السد حماية لحقوق مصر المائية، حيث قال السيسي: "مع احترامي لكل الآراء. أنت قلقان ماتهددش حد وماتتكلمش كتير بكلام مالوش لزوم"، موضحاً أن "مصر تؤمن بحق الآخرين في التنمية مثلها" وفي الوقت ذاته اقتسام جميع الأطراف للأضرار المتوقعة فيما بينهم.
ولم يشرح السيسي أسباب عدم اللجوء إلى القوة العسكرية رغم أن حجز مياه النيل هو الملف الأكثر خطورة وتهديدا لمصر وأمنها القومي على الإطلاق. وهل السبب في ذلك هو عدم امتلاك مصر أسلحة قادة على توجيه مثل هذه الضربة أم الخوف من تبعاتها؟ خصوصا مع إبرام السيسي صفقات مليارية لشراء السلاح خلال السنوات الست الماضية ، واليوم انكشف الأمر واتضح أن جميع هذه الصفقات لا تحمي الأمن القومي بقدر ما كانت لشراء شرعية نظام جاء بانقلاب عسكري.
الرسالة الثالثة، هي التوجه نحو الاستثمار في تحلية ومعالجة مياه البحر والصرف، مشيرا إلى أن حجم الاستثمارات المستهدفة في قطاع تحلية ومعالجة المياه سيصل إلى تريليون جنيه بحلول عام 2037. وأضاف السيسي أن "الدولة تعلم جيداً بأزمة نقص المياه من فترة غير قصيرة، وهناك إجراءات مستمرة بشأن إنشاء محطات معالجة وتحلية المياه. وهناك قلق مشروع بشأن مفاوضات سد النهضة، ولكن علينا مراعاة عدالة القضية. وعدالة القضية تجعلنا مطمئنين، فالأهرامات لدينا في الجيزة خير دليل على ذلك"، على حد تعبيره. وزاد السيسي: "مصر من أكثر الدول ترشيداً لاستخدام المياه نتيجة محطات المعالجة المتطورة، واستخدام مياه الصرف في الزراعة بعد معالجتها. والتحديات لن تنتهي لأي أمة، فكل دولة لديها تحدياتها، وأزماتها. ولكن هذه المشكلات تهون بالإجماع الشعبي، والكتلة الواعية المُستفزة لمصالح بلدها، والحريصة على أمنها واستقرارها". لكن السيسي يدرك تماما أن الاستثمار في مجال تحلية ومعالجة المياه يستحيل أن يغطي 1/10 من المياه العذبة التي تأتي من النيل. وأن مصر الفقيرة المديونة أولى بهذه الأموال للإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم وغيرها.
تحليل مفرادات التصريحات
استخدم جنرال الانقلاب اللغة العاطفية من أجل استمالة المواطنين ومحاولة إقناعهم ببطولة زائفة أو عقلانية النظام في معالجة أكبر أزمة تهدد مصر وأمنها القومي منذ أيام نبي الله يوسف عليه السلام. حيث زعم السيسي "لا يستطيع أحد أن يجور على حق مصر في أمنها القومي، بما في ذلك قضية المياه. وأقول للجميع إن الأسد ماحدش بيأكل أكله، وكل واحد في مصر لازم يبقى أسد في موقعه. والقلق مش كلام، القلق إجراءات. ولذلك يجب إنشاء منظومة ري حديث لكافة الزراعات، من أجل توفير كل نقطة مياه".
لكن هذه اللغة العاطفية التي يحاول بها السيسي رسم بطولة زائفة وقدرة يغطي بها على عجزه المطلق في مواجهة الأزمة لا تنطلي على ملايين المصريين الذين باتوا على يقين مطلق بأن السيسي عجز عن جل جميع المشاكل التي تواجه المصريين ولم ينجح إلا في ثلاثة أمور: الأول هو المزيد من القتل والاعتقال وإشاعة أجواء الخوف بين الناس عبر أدوات القمع والبطش الأمني. الثاني هو التوسع في القروض حتى تضخمت ديون مصر إلى مستويات مرعبة وارتفعت من 1.7 تريليون جنيه في منتصف 2013م إلى أكثر من 6 تريليونات جنيه حتى منتصف 2020م. الثالث هو فرض المزيد من الرسوم والضرائب الباهظة التي أرهقت المواطنين في ظل موجات الغلاء الفاحش التي طالت كل شيء في أعقاب قرارات التعويم في نوفمير 2016م.