في رواية بعنوان "شيطان الأجيال" استطاع أبطالها السفر عبر الزمن ومطاردة رأس أفعى استولى على اختراع آلة الزمن في زمنه المستقبلي وأراد أن يستولى على ماضي الأرض، تمضي الرواية قدمًا في إيقاع مطاردة خيالي مشوق وتنتهي بنهاية سعيدة، حين ينتهي أمر الشيطان الذي سمى نفسه جنرال فريدريك هولدشتاين ويتم حبسه زمنيًا في حقبة النازية وقتما كالنت ألمانيا تخسر الحرب بوصفه جنرالا نازيا يستحق الإعدام.
ويتمنى المصريون العودة بالزمن إلى الساعات التي تسبق انقلاب 23 يوليو بمناسبة ذكراه الـ68، لقطع الطريق على احتلال محلي عسكري أبشع من الاحتلال البريطاني، ولا يرى المصريون فرقا بين الطاغية عبد الناصر ووريثه السفيه السيسي باعتبارهما من الأوليغارشية العسكرية، ويرون أن الأخير كان فعلا وفيًّا لتراث الانقلابات التي خطها الضباط الأحرار يوم 23 يوليو 1952، ونفذها يوم 30 يوليو 2013 ضد نظام حكم ديمقراطي.
ومنذ الانقلاب العسكري الذي هندسه الجنرال السفيه السيسي وزملاؤه في يونيو 2013، تعيش الجماهير المصرية في أفران العزلة والخوف والقمع؛ فلقد أسس الانقلاب الدموي لجمهورية السجون، وعزز الشراكة بين قادة الجيش ورأس المال، كما لم يحدث يوما في تاريخ هذه البلاد.
طريق الفساد
ولم يكن الانقلاب على إنجازات ثورة 25 يناير لينجح لولا الدعم المباشر والمكشوف من القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وحليفها الكيان الصهيوني، ولولا احتضان قوى الشر في المنطقة لعصابة الانقلاب بمصر، وفي مقدمها السعودية والإمارات والأردن.
وقبل 68 عامًا من الآن وفي مثل هذا اليوم 23 يوليو 1952 باغت المصريين انقلابًا أطاح بالملك فاروق، لم تكن ثورة على الإطلاق حتى أن الشعب لم يكن على علم بها ولم يخطط او يشارك، لقد كان انقلابا عسكريا وضع مصر على طريق الفساد والقمع والاستبداد، الذي مهد الطريق أمام جنرال الخراب عبد الفتاح السيسي لحصد نتائجه حتى يومنا هذا؛ لتدمير كل آمال ممكنة لخلق ديمقراطية للشعب.
ويحرص السفاح السيسي على الالتصاق بذكريات الطاغية جمال عبد الناصر، محاولًا أن يقدم نفسه كخليفة للزعيم النكسجي، قائد الانقلاب على الحكم الملكي من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.
في 2013، اختار ذكرى 23 يوليو كي يدعو جماهيره لما أسماه "تفويضا وأمرا لمواجهة العنف والإرهاب المحتمل"، ولم ينس ذكر التفويض في خطابه بمناسبة الذكرى ذاتها، مع حرص على ربط "25 يناير 2011" و"30 يونيو 2013" بذكرى "23 يوليو 1952"، واعتبار الثلاثة كمحطات متتالية على الخط نفسه.
لكن رطانة الخطاب الشعبوي، الركيك بلاغيا، والمليء بالأخطاء اللغوية، لا تجد أفعالا وممارسات سياسية تدلل عليها، بل يتفوق السفيه السيسي على كل من السادات ومبارك في قوة الردة في وقت قياسي عن السياسات الناصرية.
لا يمكن أن يكون السفيه السيسي هو نفسه عبد الناصر، كما كتبت رباب المهدي، أستاذة العلوم السياسية في القاهرة، والمناضلة اليسارية المعروفة؛ فبالإضافة إلى الأسباب الموضوعية المرتبطة باستحالة تكرار الظرف السياسي والاقتصادي المحلي، والإقليمي والعالمي، فهي دعمت وجهة نظرها بأسباب ذاتية متعلقة بفارق العمر والطموح والتكوين والتوجهات الاقتصادية، وربما أنسب شخصية يمكن أن يقارَن بها السفيه السيسي من مجلس قيادة ثورة يوليو هو عبد الحكيم عامر.
حصل عبد الحكيم عامر على رتبة المشير من دون خوض أية حروب ميدانية، وهو ما أثار تعليقًا فريدًا من أحد الزائرين الأجانب واصفًا إياه بـ"المشير السياسي"، أي الذي استحق الرتبة لغرض سياسي غير عسكري.
وهكذا قفز السفيه السيسي من رتبة لواء إلى رتبة مشير في أقل من عامين، حين قام الرئيس الشهيد محمد مرسي بترقيته ترقية مضاعفة إلى فريق ثم إلى فريق أول، وقام هو نفسه باستصدار ترقية من عدلي منصور فصار أول من يحصل على رتبة مشير بعد حرب أكتوبر 1973 من دون خوض الحرب.
يقول الناشط مايكل فوزي: "زمان كان أبويا يمشي معايا يقولي هنا كان محلج القطن بتاع فلان ودة محلج القطن بتاع علان، وكانت بتنتج قطن بيروح العالم كله وكان أهم بورصة في العالم، وكان الجنيه المصرى أغلى من الجنيه الدهب ومكناش بنرضي نشتريه، قلت له وراح فين ده كله قالي اسأل العصابة اللي جات بعد الملك".
ويقول صاحب حساب "طفحان المر" في تغريدة: "علشان محدش يضحك عليك مفيش حاجة اسمها ثورة يوليو دا انقلاب عسكري، والفرق الوحيد اللى بينه وبين انقلاب السيسي إنه انقلاب باطل على باطل، وانقلاب السيسي باطل على الحق، واوعى تفتكر إن مصر أيام الملك كانت جنة للشعب لكن كانت جنة البشوات والملك بس، مصر كانت للشعب سنتين بس ورجعت لصحابها تانى".
بدأ السفيه السيسي انقلابه بتوظيف ذكرى 23 يوليو في الدعوة إلى ما أسماه التفويض، واستمال أسرة الطاغية عبد الناصر حتى انتزع منهم تأييدًا صريحًا لترشحه، ونافس محلله الانتخابي حمدين صباحي على استحقاق وراثة عبد الناصر حتى تخلى المخرج خالد يوسف عن رفيقه وأيد السفيه السيسي.
وحين أتى موعد التنصيب، وجدت أسرة عبد الناصر مقاعدها في الصفوف المتأخرة، واحتلت أسرة السادات الصفوف الأولى، أما توجهه نحو النيوليبرالية الاقتصادية، فقد نجح فيما لم ينجح فيه أي من السادات ومبارك، وتجرأ على رفع الدعم جزئيًا عن الوقود ورغيف الخبز والكهرباء والغاز الطبيعي في المنازل.
وعن موقفه من القضية الفلسطينية، فقد بدأ من حيث انتهى مبارك، وزاد عنه مَنّا كاذبًا على فلسطين بأن مصر قدمت مائة ألف شهيد للقضية الفلسطينية، وكأن مدرسة بحر البقر ومصنع أبو زعبل ومدينة السويس وشبه جزيرة سيناء بالكامل تقع بين الجليل والخليل، أو بين الرملة ورام الله.
وبغض النظر عن حديثه عن "القدس الشرقية" كعاصمة لفلسطين، فإن أقصى درجات العبث لا يمكن أن تتخيل كيف تجرأ على تحميل الفلسطينيين مسئولية اقتصاد مصر المنهار منذ ستين سنة، هكذا قالها صريحة في الذكرى الأولى للتفويض والذكرى الثانية والستين لما أسماها "ثورة يوليو المجيدة"، فأي مجد تليد ورث؟ وأي مجد أضاع؟!
مفاصل الدولة
سيطر الجيش على مفاصل الاقتصاد واستخدم نُخبا اقتصادية لإدارة مشاريع اقتصادية كبرى لصالح جمهورية الضباط؛ التي ظهرت كما سماها الباحث "يوسف صايغ" عام 1952 عقب الإطاحة بالملكية، واستمرت في السيطرة على مفاصل الدولة خاصة بعد تثبيت حكم جمال عبد الناصر وإبعاد اللواء محمد نجيب الذي كان واجهة الانقلاب العسكري عام 1952 والذي حوصر في بيته وتخلص الضباط منه ومن مناداته بالحرية والدستور للشعب المصري بسجنه في "فيلا زينب" ولم يخرج منها إلا بعد 29 سنة.
مهّد الضباط لذلك بعمليات إرهابية انتشرت في القاهرة ليأتي المخلص جمال عبد الناصر للحكم عام 1956 عبر استفتاء شعبي بطريقة التفويض والإخراج السينمائي التي صارت جزءًا من الحياة المصرية، فالدراما هي جزء من عصابة العسكر الذي ظل يثبت سلطانه عبر السيطرة على مفاصل الدولة والنظام الاشتراكي الذي وفر للضباب الأراضي الشاسعة والقوة في استخدام موارد الدولة لتثبيت سلطانه.
لذا لا نستغرب كثيرًا عندما تظل الإشكالات الحقيقية للدولة في أزمة خانقة، بينما يستمر جنرال العسكر في استخدام موارد الدولة لتثبيت سلطانه؛ هذا المشهد بالضبط هو ما حدث لمصر في أغلب الحروب الخاسرة التي خاضها الجيش المصري، وهو الذي ينتظر السفيه السيسي؛ هذا قد يفسر لما خسرت مصر مثلًا في حرب 1967.
"التاريخ لا يقول وداعا أبدا، التاريخ يقول سأراكم لاحقا"، مقولة للكاتب الأوروجوياني الراحل إدواردو غاليانو تنطبق تماما على الكثير من الأنظمة التي حاولت وتحاول عبثا تزييف تاريخ أمتها أو طمسه وتحريفه، لإقرار رواية تخدم نظام آني مستبد، غير عابئ بمستقبل قريب يكشف الحقائق كاملة لقادم الأجيال.
عصابة السفيه السيسي في مصر تنطبق عليها مقولة الفيلسوف الأوروجوياني بحذافيرها، فبعد مسرحية الانقلاب على رئيسه الشهيد محمد مرسي بدعوى الانحياز لثورة شعبية وإحالة الرئيس للمحاكمة في قضايا وهمية نسجت وقائعها من الخيال، يعمل السفيه السيسي حاليا على حذف حقبة الرئيس مرسي من التاريخ المعاصر، وشطب اسمه من السجلات والوثائق الرسمية.
ما فعله السفيه السيسي عبثا مع أول رئيس مدني منتخب واقعة ليست الأولى من نوعها في تاريخ مصر، حيث سبق للجنرالات قبله محاولة طمس حقبة أول رئيس لجمهورية مصر العربية بعد الاحتلال وهو اللواء محمد نجيب، الذي تعرض لإجراءات مماثلة، حتى أنصفه التاريخ، وأقرته الأمة المصرية بعد ذلك، فعلها عبدالناصر مع نجيب وفشلت، ويكررها الآن السفيه السيسي مع الرئيس الشهيد مرسي في محاولة عبثية محكوم عليها حتما بالفشل، فالمؤكد أن التاريخ يعيد نفسه.
أعاد إعلام السفيه السيسي عهد الملك فاروق إلى الأذهان من حيث لا يقصد، حين استلهم النموذج الإعلامي الناصري في تسفيه حكم الرئيس الشهيد مرسي، مثلما فعل نظام عبد الناصر مع الملك فاروق.
وفي هذا الصدد، لعب قطاع واسع من الناصريين دورا لافتا في تقديم انقلاب 30 يونيو وكأنه امتدادٌ لـ"انقلاب" 23 يوليو التي قادها الجيش ضد الملكية المصرية، بما يدل عليه ذلك من شرعنة الانقلاب الذي قام به السفيه السيسي لكي يصبح لاحقا ''مرشح الضرورة''، بتعبير محمد حسنين هيكل.
أصبحت عصابة السيسي عنوانا صارخا لكل مثالب انقلاب يوليو منذ 1952، وكأن الأمر يتعلق بمكر ما ثاوٍ في تاريخ هذه العصابة العسكرية، لقد أعاد انقلاب السفيه السيسي تعريف حركة 1952 انقلابا عسكريا، وليس ثورة اجتماعية، كما دأبت الأدبيات القومجية العنترية الفاشية على نعتها.
وظف السفيه السيسي الإرث الدموي الناصري للتحكم في ديناميات التعبئة الاجتماعية التي أحدثتها ثورة 25 يناير، لكنه لم يوظفه في مواجهة الكيان الصهيوني والرجعية العربية اللذيْن باركا انقلابه وتنكيله بالإخوان المسلمين، ولعل هذا ما يوسع مساحة التوافق بين انقلابين كلاهما عسكري، حين ننظر إلى دولة يوليو بوصفها انقلاب متكامل، تأسس على اختطاف العسكر للسلطة، وما يرتبط بها من مكاسب ومصالح حتى ولو كان ذلك ضد ارادة المصريين.