دلالات تصديق السيسي على قانون ينتهك بيانات المصريين

- ‎فيتقارير

يحمل تصديق قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي على القانون رقم 151 لسنة 2020، بشأن "حماية البيانات الشخصية"، كثيرا من الرسائل والدلالات.

أولى هذه الرسائل أن النظام ماض في طريق الظلم والاستبداد ويوظف أدوات التشريع توظيفيا سياسيا ليس بهدف تحقيق العدالة وصيانة الحقوق الشخصية والأمن القومي، بل بهدف حماية أمن النظام؛ فالقانون الجديد يتيح لأجهزة الأمن الحصول على  أي بيانات شخصية للمواطنين ترغب في الحصول عليها، وإزالة قيود السرية عنها في أي مرحلة، ومعالجتها، والتعامل معها مباشرة من دون قيود قانونية أو رقابة قضائية، وفق ما تقدره هذه الجهات من "اعتبارات أخرى". وتشمل البيانات الشخصية التي عرفها القانون بأنها "حساسة"، وسيكون من المتاح لجهات الأمن القومي الاستحواذ عليها: بيانات الصحة النفسية أو العقلية أو البدنية أو الجينية، وبيانات القياسات الحيوية "البيومترية"، والبيانات المالية، والمعتقدات الدينية، والآراء السياسية، صحيفة الحالة الأمنية.

ثانيا، تصديق السيسي على القانون يؤكد أن فكرة السيطرة على جميع بيانات المصريين الشخصية والعائلية والحركية، وحتى ما يتعلق بالتعبير والرأي، تستحوذ على نظام السيسي، والذي أعلن في وقت سابق عن "العمل على مشروع قومي لحفظ البيانات"، وهو المشروع الذي وصفه بأنه "عقل الدولة المصرية"، وسيتم إنشاؤه على عمق 14 متراً تحت سطح الأرض، في موقع مؤمن بأعلى وسائل ودرجات التأمين.

السم في العسل

ثالثا، القانون يعكس حالة التناقض أو بمعنى أدق دس السم في العسل؛ فنص القانون  ينص على حماية البيانات الشخصية المعالجة إلكترونياً أثناء جمعها أو تخزينها أو معالجتها، حيث يحدد حق الأشخاص في حماية بياناتهم، ويُجرم جمع البيانات الشخصية بطرق غير مشروعة أو من دون موافقة أصحابها. كما يجرم معالجتها بطرق تدليسية أو غير مطابقة للأغراض المصرح بها من قبل صاحب البيانات. كما ينظم أيضاً نقل ومعالجة البيانات عبر الحدود، وذلك كله من خلال قواعد ومعايير وشروط يضعها القانون، مسترشداً باتفاقيات دولية في هذا الصدد، ويباشر الإشراف عليها مركز جديد سيتم إنشاؤه لهذا الغرض. لكن النصوص الإيجابية في القانون لا تلبث أن تتحول إلى خيالات مجردة، باصطدامها بمادة تأسيسية تنص صراحة على أنه "لا يسري القانون على البيانات الشخصية لدى جهات الأمن القومي، وما تقدره لاعتبارات أخرى". وهو ما ينسف كل الضمانات السابقة ويبقى على الفقرة التأسيسة التي تمنح أجهزة الأمن جميع الصلاحيات بما يعصف بكل ضمانات القانون لحماية البيانات الشخصية.

رابعا، لا يوجد نص دستوري أو تشريعي مصري يحدد "جهات الأمن القومي"، لكن السلوك العرفي يجعل هذا المصطلح يشمل الرئاسة وإداراتها، والمخابرات العامة بأجهزتها المختلفة ومنها جهاز الأمن القومي، وكذلك الجيش وفي القلب منه المخابرات الحربية، وكذلك الشرطة وفي مقدمتها جهاز الأمن الوطني، فضلاً عن انضمام الرقابة الإدارية أخيراً لتلك الجهات التي تنال معاملة خاصة من جميع أجهزة الدولة خارج إطار القانون.

كشف السرية

خامسا، القانون الجديد الذي تدعي حكومة الانقلاب إعداده على شاكلة قوانين مطبقة وراسخة في دول متقدمة، أو في الاتفاقات الدولية بشأن حماية البيانات الشخصية، أعفى جهات الأمن القومي من رقابة القضاء، على تقدير اعتبارات معالجة البيانات والتعامل عليها بدلاً من حمايتها والالتزام بالقانون، رغم أن كشف سرية البيانات في القوانين الأخرى يجب أن يتم بناءً على أمر قضائي. كما أن القضاء المصري، وفي أحكام سابقة لمحكمتي النقض والإدارية العليا، كان يُخضع قرار كشف السرية للرقابة القضائية، الأمر الذي سينحسر وفقاً للصياغة السابق ذكرها في القانون الجديد.

سادسا، يضع القانون جهات الأمن القومي كمرجعية رئيسية لتحرك المركز المختص بحماية البيانات، ويعود إليها في حالة وجود اختراقات أو انتهاكات مؤثرة على البيانات الشخصية. وينص القانون على أن "يلتزم كل من المتحكم والمعالج، بحسب علمه بوجود خرق أو انتهاك مؤثر على البيانات الشخصية لديه، بإبلاغ المركز خلال أربع وعشرين ساعة، والذي يقوم بدوره بالإخطار الفوري لجهات الأمن القومي بالواقعة، كما يلتزم بموافاته خلال اثنتين وسبعين ساعة من تاريخ علمه ببعض البيانات المحددة".

لا أسرار للمواطنين

سابعا، القانون يتيح لأجهزة الأمن معرفة البيانات والمعلومات الخاصة بتحركات المواطنين لدى أي جهة، وجواز رصدها وإمكانية تعقبها، دون أن يبين أحوالاً محددة يجوز فيها ذلك، ودون اشتراط أن يكون ذلك بناءً على أمر قضائي مسبب ولمدة محددة وهو أمر ينطوي على مساس بحرمة الحياة الخاصة للمواطنين. ويسمح بإفشاء المعلومات والتنصت عليها والاعتداء على حرمة الاتصالات والمراسلات وسريتها وهي أهم صور الاعتداء على الحياة الخاصة.

ثامنا، لم يعرض القانون على مجلس الدولة لإبداء ملاحظاته عليه كما جرى في السابق؛ والذي سبق له إبداء ملاحظات جوهرية على مشروع قانون مشابه يتعلق بربط بيانات مستخدمي  خدمة "أوبر وكريم" لأجهزة الأمن؛ فوفقاً للتعديلات الدستورية، التي أدخلت في إبريل 2019م،  أصبح من حق الحكومة والبرلمان تجاهل عرض مشاريع القوانين على مجلس الدولة نهائياً، بعدما كان عرضها أمراً حتمياً بحد ذاته، وبغض النظر عن الالتزام بملاحظاته من عدمه.