سؤال صعب يطرحه المراقبون على الساحة السياسية في مصر، بعدما تزايدت أعداد ضحايا القتل الطبي في المعتقلات والسجون ومراكز الشرطة بصورة مرعبة.
ورغم تفشي فيروس كورونا في عموم مصر وتوجيه منظمات العالم نداءات إنسانية ومناشدات حقوقية للنظام العسكري بالإفراج عن المعتقلين، إلا أن الإصرار وعدم الاستجابة هو الرد الذي يمارسه السيسي، وهو ما دفع الصحافة الأمريكية أمس لوصم السيسي بأنه “حليفنا المجرم”.
ورغم ذلك تتواصل الانتهاكات، حيث قُتل اليوم الخميس المعتقل رجب النجار من قرية الكفر القديم التابعة لمركز بلبيس، داخل محبسه بمركز شرطة بلبيس بمحافظة الشرقية، نتيجة الإهمال الطبي المتعمد.
وقبله ويوم 2 مايو الجاري، قتل الشاب “شادي حبش”، مخرج، داخل محبسه بسجن تحقيق طره، بعد استغاثات من المعتقلين معه داخل الزنزانة لإنقاذه، ولكن لم يستجب لاستغاثتهم أحد من الضباط وإدارة السجن.
وكانت عصابة العسكر قد اعتقلته منذ أكثر من عامين، فى مارس 2018، لإسهامه في إخراج أغنية “بلحة” التى تسخر من قائد الانقلاب السيسي.
وكان المعتقل الشاب أحمد سيد توني قد قتل في 2 أبريل الماضي، داخل محبسه بسجن المنيا شديد الحراسة، نتيجة الإهمال الطبي المتعمد بحقه وظروف الحجز غير الآدمية، وقبله بأيام قتل سمير رشدي داخل محبسه بسجن المنيا أيضا، نتيجة الإهمال الطبي المتعمد .
الحبس الاحتياطي القاتل
ووفقًا لقانون الإجراءات الجنائية المصري، كان يجب إخلاء سبيل شادي حبش، مثلا، في موعدٍ أقصاه مطلع مارس الماضي، أي بمرور عامين على حبسه، إلا أن ذلك لم يحصل، شأنه شأن حالات آلاف المعتقلين الذين تخطّوا الحد الأقصى لفترة الحبس الاحتياطي ولم يُحالوا إلى المحاكمة، وما زالوا محبوسين لأن الجهات الأمنية لم تؤشّر بإطلاق سراحهم، أو لم تسمح باتباع تدابير احترازية أخرى معهم، كالوجود اليومي في أقسام الشرطة.
وفي الآونة الأخيرة اتّبعت النيابة العامة منحىً جديدا، هو فتح قضايا جديدة للمتهمين المحبوسين احتياطيا، البارزين والمشهورين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين تُركّز عليهم الجهات الحكومية وغير الحكومية الأجنبية في مطالباتها بالإفراج. ويجد المحبوسون، وهم على وشك إنهاء فترة العامين، أنفسهم محبوسين على ذمّة قضايا جديدة، مثل رئيس حزب “مصر القوية” عبد المنعم أبو الفتوح، ونائبه محمد القصاص وغيرهما.
لكن النيابة العامة لم تفعل ذلك مع حبش، ربما لأنه لم يكن من المعتقلين البارزين، ولم يكن معروفا إلا لدائرة محدودة من المهتمين، فاستمر مكوثه في السجن، إلى أن توفي عن عمر ناهز 23 عاما.
عانى حبش كغيره من المحبوسين احتياطيا من الآلية الروتينية لتوليد الأمل الكاذب وخنق الحلم، مرة كل 45 يوما على مدار عامين وشهرين، حيث كان يُعرَض بصفةٍ دورية على محكمة الجنايات للبتّ في استمرار حبسه. وبصورة اعتيادية، لم تكن تصل إلى المحكمة أي تقارير أمنية بخروجه من محبسه، ليصدر قرار القاضي كل 45 يوما بالتجديد، من دون تمحيص للأوراق أو استماع لهيئة الدفاع.
ووفقا لمحامين، تكتظ السجون بنحو 1700 محبوس احتياطي تخطّوا المدة القصوى للحبس الاحتياطي، علما أن القانون يستثني فقط من قاعدة الحد الأقصى المحبوسين الذين سبق الحكم عليهم بالإعدام أو السجن المؤبد عند نظر قرارات حبسهم أمام محكمة النقض أو الإعادة.
وعلى الرغم من النصّ الصريح على ذلك، فإن المحاكم والنيابة العامة كانت تطبقه على نحوٍ مخالف منذ تعديله في عهدالطرطور عدلي منصور (2013-2014) إلى الصيغة المطبقة حالياً، بادعاء أنه يسمح بفتح مدد الحبس الاحتياطي لأي شخص وُجهت إليه اتهامات يعاقب القانون عليها بالإعدام أو السجن المؤبد، وبالتالي انتحلت دوائر نظر استمرار الحبس، صفة محكمة النقض ومحكمة الجنايات في مرحلة الإعادة.
مخاطر رهيبة
تعاظمت خطورة الحبس الاحتياطي مفتوح المدة وأثره الداهم على حرية الأفراد، في ظلّ إفراط النظام في اتّباعه بعد 30 يونيو 2013، ليتحول من إجراءٍ تحفظي وتدبير مؤقت يهدف في الأساس إلى منع التأثير بمجريات القضية، أو هروب المتهم، إلى عقوبة بحد ذاته. فعلى سبيل المثال، استمر المتهمون في قضية اعتصام رابعة محبوسين لأكثر من خمس سنوات ونصف سنة احتياطيا حتى مارس 2019، واستمر حبس الباحث إسماعيل الإسكندراني ثلاث سنوات، قبل الحكم عليه في قضية عسكرية في مايو 2018، والأمثلة الأخرى عديدة في هذا السياق.
وعلى الرغم من الملاحظات الأممية والدولية العديدة التي تُسجل سنوياً ضد مصر، خلال المراجعة الشاملة لسجل حقوق الإنسان، وتوصيات المجلس القومي لحقوق الإنسان وغيره من الجهات المحلية، بشأن استخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة، إلا أن النظام لم يُقدِم، ولو لمرة واحدة، على التراجع عن هذا المسار، حتى وهو يبشّر على مدار ثلاث سنوات بقرب إصدار تعديل تشريعي واسع على قانون الإجراءات الجنائية يتضمّن التعويض المادي والمعنوي عن فترات الحبس الاحتياطي التي تنتهي بإخلاء السبيل أو البراءة للمرة الأولى.
ويأتي ذلك علما أن الدستور الحالي الصادر عام 2014، ينص صراحةً في مادته الـ54، على حقّ المحبوس احتياطياً في التعويض، بقوله: “ينظم القانون أحكام الحبس الاحتياطي ومدته وأسبابه وحالات استحقاق التعويض الذي تلتزم الدولة بأدائه عن الحبس الاحتياطي”. وسبق أن أبدى نظام المخلوع حسني مبارك، في عام 2006، لدى تعديل قانون الإجراءات الجنائية، التزامه إصدار قانون مستقل لتنظيم التعويض عن الحبس الاحتياطي في حالتي “الحكم بالبراءة”، وبأن “لا وجه لإقامة الدعوى”.
فمشروع التعديل التشريعي الذي وُضع نهاية عام 2016 وأدخلت عليه تعديلات محدودة عامي 2018 و2019، ولم يخرج من قاعات مداولة البرلمان حتى الآن، يحافظ على النصوص الحالية ذاتها التي تسمح بفتح الحبس إلى ما لا نهاية في حالة صدور حكم الإعدام أو السجن المؤبد من محكمة أول درجة، مهما بلغت فترات نظر القضية في النقض أو أمام محكمة الإعادة. ويسمح أيضا بمنع المحبوس احتياطيا من الاتصال بغيره من المحبوسين ومنع الزيارة عنه، في تعبيرٍ واضح عن رؤية النظام لذلك “التدبير الاحترازي” باعتباره عقوبة، فيؤدي إلى وضع متهم لم تثبت إدانته بأي جريمة في الحبس الانفرادي المنصوص عليه في لائحة السجون في حالات معينة على سبيل الحصر، وهو ما يعتبره محامون تكريسا لتعذيب المتهم معنوياً وإضراره جسديا ونفسيا.
كذلك فإن قانون الخدمة المدنية الصادر في عهد النظام الحالي عام 2016، يسير في الركاب نفسه، فيرتّب على حبس الموظف احتياطياً صرف نصف راتبه فقط حتى إذا تبيّنت في وقت لاحق براءته مما نسب إليه. والأمر ذاته بالنسبة إلى أعضاء هيئة التدريس في الجامعات وفقاً للقانون المعدل عام 2015، الذي نصّ على وقفهم عن العمل وإحالتهم على التحقيق التأديبي بمجرد اتهامهم باقتراف جرائم ذات طابع سياسي، من دون اشتراط صدور أحكام جنائية ضدهم، في إخلالٍ جسيم بفرضية البراءة، وهو ما تكرر أيضاً في عشرات الحالات لطلاب المدارس والجامعات الذين فُصلوا بحجة اتهامهم في قضايا سياسية أو تمسّ الأمن القومي نظراً لغيابهم الطويل محبوسين احتياطياً. وخاض فريق من هؤلاء الطلاب، وخصوصاً في جامعة الأزهر التي كانت أول جامعة تبادر إلى فصل الطلاب المقبوض عليهم، مساراً قانونياً معقداً في المحاكم، حتى عاد بعضهم إلى الدراسة بأحكامٍ نهائية من مجلس الدولة.
وتعكس هذه الظروف واقع أن الحبس الاحتياطي حاليًا في مصر قد يفوق في خطورته نظام الاعتقال بموجب قانون الطوارئ الذي قضت المحكمة الدستورية العليا بإنهائه عام 2013، فذلك النظام كان يسمح باحتجاز المواطن لأمدٍ غير مسمى طوال فترة إعلان الطوارئ، وبقرار فردي غير مراقب من رئيس الجمهورية أو وزير الداخلية، وعلى الرغم من ذلك لم يكن يؤثر بأوضاع المعتقل الوظيفية أو التعليمية، فضلاً عن استحقاقه بالضرورة للتعويض بموجب أحكام قضائية. بينما الحبس الاحتياطي على الطريقة المطبقة حالياً، يمكّن النظام من استمرار اعتقال أشخاص بعينهم، سواء أكانت حالة الطوارئ معلنة أم لا لأمد غير مسمى أيضاً، مع ترك آثار عقابية لا احترازية على حياة المواطنين.
جرائم شنيعة
وسبق أن قدّر رئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب الانقلابي علاء عابد، أن عدد المحبوسين احتياطيا في مصر حتى يناير 2018، يراوح بين 25 إلى 30 ألف سجين من إجمالي عدد السجناء الذي يقارب 65 ألفاً. كذلك، تشير تقارير المنظمات الحقوقية المصرية والدولية وإحصاءاتها، إلى أنّ “حالات الحبس الاحتياطي وصلت إلى عددٍ لم يسبق له مثيل في تاريخ مصر”.
وأعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في يونيو 2018 وأكتوبر 2019، عن قلقه الشديد إزاء شيوع الاعتقالات في مصر، التي غالباً ما تعقبها أحكام قاسية، وغالباً ما تحصل لمجرد ممارسة الحق في حرية الرأي والتعبير والتجمّع. وأشار المكتب إلى أن الاحتجاز التعسّفي بات مشكلة مزمنة في مصر، في ظل تصاعد كبير في حملة القمع ضدّ الحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمّع في البلاد ، يفوق الحبس الاحتياطي بخطورته نظام الاعتقال بموجب قانون الطوارئ الذي أنهي العمل به في 2013.
ودعا مكتب حقوق الإنسان السلطات المصرية إلى ضمان حقوق جميع المحتجزين بشكل كامل في سلامتهم الجسدية والنفسية، واتباع الإجراءات القانونية الواجبة. ودعا إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين حالياً من قبل السلطات المصرية لممارستهم حقوقهم الإنسانية المشروعة.
في المقابل، تنفي السلطات المصرية وجود أي معتقل خارج إطار القانون لديها، وتزعم أن جميع المحبوسين احتياطياً مستوفون للإجراءات القانونية، وأن خروجهم من السجن فيه خطر على النظام العام، وتدعي أن السلطات القضائية والشرطية تتوسع في انتهاج إجراءات احترازية بديلة للحبس الاحتياطي.
وأعلنت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، وهي منظمة مجتمع مدني مصرية، أخيراً، أنها خاطبت كلاً من رؤساء مجلس النواب، علي عبد العال، ومجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، والمجلس الأعلى للهيئات القضائية، للتقدم إلى وزير العدل عمر مروان بطلبٍ بشأن تفسير التناقض في المواد القانونية المتعلقة بمدة الحبس الاحتياطي في قانون الإجراءات الجنائية.
وقالت الشبكة، إن على وزير العدل دوره الدستوري، من خلال عرض طلب تفسير المادتين 143 و380 من قانون الإجراءات الجنائية على المحكمة الدستورية، إذ حظرت المادة الأولى حبس المحبوس احتياطياً بأي صورة لمدة تزيد على سنتين، فيما يستند بعض القضاة إلى المادة الثانية بوصفها لم تضع حدّاً للحبس الاحتياطي. وأشارت إلى أن “التناقض في تطبيق المادتين من خلال أجهزة النيابة العامة والمحاكم المصرية، أدى إلى حدوث إخلال جسيم بحقوق المواطنين الدستورية والقانونية، وعلى وجه أخص حرياتهم في ما يتعلق بتمتعهم بالحرية الشخصية، والتنقل، وقرينة البراءة”.
وسبق أن كشفت مصادر دبلوماسية أوروبية في القاهرة لـ”العربي الجديد”، عن إجراء بعض السفارات الغربية، خلال الأسبوع قبل الماضي، اتصالات بالسلطات الأمنية والقضائية المصرية، للمطالبة بإخلاء سبيل السجناء المدانين والنشطاء المحبوسين احتياطياً على ذمة قضايا ذات طابع سياسي، لإنقاذهم من الأوضاع التي لا يمكن التنبؤ بمستقبلها داخل السجون في ظل جائحة كورونا، ولا سيما مع استمرار اتخاذ تدابير تزيد من عزلة السجناء بمنع الزيارة عنهم وتقليل فرص اللقاء بدفاعهم، فضلاً عن وقف خروجهم من محبسهم لحضور جلسات نظر تجديد الحبس. ويأتي ذلك خصوصاً مع انتفاء مبررات الحبس الاحتياطي بشكل عام في مصر حالياً، نظراً لعدم إمكانية مغادرة البلاد وسهولة تعقب المتهمين في تدابير حظر التجول المعمول بها.
وبحسب تقرير نشرته منظمة “هيومن رايتس ووتش” في 16 مارس الماضي، بعنوان “لماذا على مصر الإفراج عن السجناء المحتجزين ظلماً الآن؟”، فإن “السجون المصرية تشتهر باكتظاظها وقذارتها ومخالفتها لقواعد النظافة والصحة”. وفيما تضمّنت التوصيات العالمية لاحتواء كورونا ومنع وصوله إلى السجناء، التي جمعتها منظمة “ديغنيتي” (Dignity) في ملف واحد، إلزام الدول بحق السجناء في الحصول على الرعاية الصحية، توفي خمسة سجناء ومعتقلين في السجون ومقارّ الاحتجاز المصرية في مارس الماضي وحده، بخلاف خمسة آخرين توفوا في فبراير ، إلى جانب وفاة سبعة معتقلين آخرين في يناير الماضي، نتيجة الإهمال الطبي المتعمد. بينما توفي 449 سجيناً في أماكن الاحتجاز خلال الفترة ما بين يونيو 2014 وحتى نهاية 2018. وقد ارتفع هذا العدد ليصل إلى 917 سجيناً في الفترة بين يونيو 2013 وحتى نوفمبر 2019، بزيادة مفرطة خلال عام 2019، بحسب آخر تحديث حقوقي، بينهم 677 نتيجة الإهمال الطبي، و136 نتيجة التعذيب.