الانتخابات الرئاسية بالجزائر.. بين دعوات المقاطعة وطموحات الخروج من الأزمة السياسية

- ‎فيتقارير

في الـ12 من ديسمبر الجاري، تشهد الجزائر جولة الانتخابات الرئاسية، وسط تشكك شعبي في جدوى الانتخابات الرئاسية بقوانينها وشروطها الخالية في القطيعة مع نظام العسكر..

حيث يرفض المتظاهرون والحراك السلمي المستمر منذ نحو تسعة أشهر بالجزائر الانتخابات الرئاسية المقررة 12 ديسمبر المقبل، معللين ذلك بترشح عدد من قادة النظام السابق..

وهو ما يضع الجزائر أمام منعطف خطير، قد يقود الثورة الجزائرية المتمسكة بالسلمية لاستكمال حراكها حتى نهاية مسارها الديمقراطي إلى مآلات غير متوقعة، بصدام عنيف مع العسكريين الذين يقودون البلاد، نحو نتائج يريدونها تصب في جيبهم، أو حتى الانزلاق نحو عشرية سوداء جديدة، وذلك بحسب دراسة خديثة اعدها “الشارع السياسي”..

واستعرضت دراسة “مستقبل الانتخابات الرئاسية بالجزائر في ظل أزمة الثقة بين الحراك الثوري ومؤسسات الدولة” تطورات المشهد السياسي بالجزائر، محاولة استشراف المستقبل الجزائري؛ حيث تتمسك قيادة أركان الجيش بإجراء الانتخابات الرئاسية، فيما تذهب الحكومة المؤقتة إلى أن الانتخابات هي الحل الوحيد الذي يكرس الخيار الدستوري، للخروج من أزمة الفراغ السياسي القائم منذ استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في 2 أبريل الماضي.

بينما يتمسك الثوار بإلغاء شكل المعادلة السياسية من الأساس، والتي يتحكم فيها العسكر حتى الآن، ويريدون فرضها على الجزائريين باستخدام رهانات معينة يرفضها الشارع الثائر؛ كالتخويف من الفراغ السياسي أو الأزمات الاقتصادية أو أن الثوار لا يملكون قوة ناظمة لهم، أو تصدير الأزمة الأمازيغية وربطها بالحراك بالشارع.

بل يصف المعارضون تلك الانتخابات بأنها “مسرحية سمجة على الهواء الطلق”، مستشهدين بأن أسماء المرشحين الخمسة المنتمين جميعا للنظام السابق، سيحظون بشرعية شعبية بعد الانتخابات، لإعادة إنتاج النظام السابق؛ حيث من المؤكد أن بعض الأخزاب القديمة القائمة ستكون المستفيد الأول من أية استحقاقات قادمة في ظل المقاطعة الكبيرة التي تبدو في أفق الحياة السياسية في الفترة الماضية والمقبلة.

وبحسب دراسة “الشارع السياسي”، يطالب ناشطو الحراك بأن تكون هناك “مرحلة انتقالية حقيقية” لا يشارك فيها أي من رموز النظام السابق ومسئوليه، وأن أي انتخابات يجب أن تشرف عليها سلطة تنفيذية مستقلة، تنبثق عن حوار شامل مع كل قوى المجتمع.

وتشير الدراسة إلى أن “إعادة إنتاج النظام السابق عبر 5 مرشحين ينتمون إليه، يضع الجزائر في موقف أكثر بؤسًا من ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة”!.

مناخ سياسي ملبّد

وقالت الدراسة: “تعد الانتخابات الرئاسية التي دعت إليها السلطة للمرة الثالثة، في وقت قصير وهي تعيش حالة اضطراب قصوى مهمة للغاية، بعد أن فشلت السلطة في تنظيم استحقاقين انتخابيين في 18 أبريل و4 يوليو 2019؛ الأول منهما نتيجة الرفض الشعبي بعد ترشح بوتفليقة لها للمرة الخامسة، أما الثاني فقد ألغي بحجة عدم تقدم مرشحين له في الآجال القانونية نتيجة المقاطعة الشعبية الكبيرة التي قوبل بها”.

في المقابل، تقدم إلى هذه الانتخابات المفترض إجراؤها في 12 ديسمبر 2019، 143 مرشحًا حزبيًّا، وعدد كبير من المستقلين غير المعروفين على مستوى الساحة السياسية في الغالب، باستثناء بعض الوجوه الإعلامية، وقد عبَّروا عن نيتهم التقدم لها. تمت غربلة 23 مرشحًا منهم فقط، وهم من تمكنوا من إيداع ملفاتهم شكليًّا لدى الهيئة المستقلة للانتخابات، ولم يبق منهم في المرحلة الأخيرة للترشح الرسمي إلا خمسة مرشحين استوفوا شروط الترشح الرسمي، والتي على رأسها جمع خمسين ألف توقيع تزكية مصادق عليها من قبل الإدارة المحلية في خمس وعشرين ولاية من ولايات الجزائر  البالغة ثماني وأربعين ولاية.

ومن المتوقع أن تجري الانتخابات في إطار قانوني جديد جاء بعد الإعلان عن تكوين هيئة وطنية عليا وُصفت رسميًّا بالمستقلة للإشراف عليها وتنظيمها، بدل إدارة وزارة الداخلية.  وقد تم تنصيب هذه الهيئة بعدما سُمي بجولة الحوار الوطني التي قاطعتها القوى السياسية الرئيسة، وبعد الانتهاء من عملها بتسرع، ولم يحظ هذا التنصيب بالإجماع الذي كان مطلوبًا في هذه التجربة السياسية الأولى التي يعول عليها كثيرًا لإحداث القطيعة مع النظام السياسي المرفوض شعبيًّا خصوصًا آليات عمله القديمة.

وكان الحراك الثوري اشترط حزمة من المطالب، من بينها: ذهاب من تبقى من الرموز السياسية لنظام بوتفليقة، وفتح الساحة الإعلامية أمام الجميع وعلى رأسها المجال الاعلامي وإطلاق سراح المعتقلين من شباب الحراك، والتوقف عن التحرش الأمني بالمسيرات التي تنظم في العاصمة تحديدًا كل يوم جمعة.  كما طالبت أغلبية القوى السياسية والشخصيات المعارضة بإجراءات تكون على شكل تطمينات قبل الذهاب للانتخابات مما يخلق جوًّا توافقيًّا يسمح بمشاركة شعبية يوم الاقتراع، وهذا ما سيسمح باختيار رئيس يتمتع بقدر كبير من الشرعية.  وهي أمور لم تلبها السلطات العسكرية المتحكمة في المشهد الجزائري.

وهو ما يخشى معه أن تكون الانتخابات الرئاسية القادمة اللعنةُ التاريخية التي ارتبطت بها الانتخابات في الجزائر، كما حصل في 1991 على سبيل المثال عندما كانت تلك الانتخابات من أسباب دخول البلاد في أتون الحرب الأهلية، بعد إلغاء التشريعيات التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟ وهل ستنتقل الجزائر من انتخابات ملغاة إلى انتخابات دون مرشحين ومن ثم إلى انتخابات من دون مقترعين كما يمكن أن يحصل في 12 ديسمبر.

رهانات المشاركة

ورغم المعطيات السابقة للمقاطعة، تبرز القاعدة الاجتماعية للنظام المؤلفة من بقايا أحزاب السلطة، حتى ولو كان بشكل محتشم نتيجة حالة الاضطراب التي تعيشها هذه الأحزاب الضعيفة أصلًا، والمعتمدة تقليديًّا على قربها من مؤسسات الدولة، وذلك بعد انطلاق الحراك الشعبي وحملة محاربة الفساد التي مسَّت قياداتها، كأبرز المشاركين في هذه الانتخابات.

بجانب ما يمكن أن يجنده عامل الخوف من الفراغ السياسي لدى مواطنين غير متحزبين بالضرورة ومتخوفين على حال البلد، بعد تأثرهم بخطاب السلطة الرافض للذهاب إلى مرحلة انتقالية أو إلى تأخير الانتخابات بسبب ما يمكن أن ينجرَّ عنها من فراغ سياسي تم الترويج له إعلاميًّا، بعد أكثر من ستة أشهر من استقالة بوتفليقة.  ودون أن ننسى ما يمكن أن تجنده المؤسسات الرسمية من مشاركة في الاقتراع وسيكون مصدره بيروقراطية الدولة وقوات مسلحة ودرك وشرطة وحماية مدنية، وهي قطاعات يصعب التحكم أكثر فأكثر في اتجاه اقتراعها، في الظرف الحالي الذي تحررت فيه سلوكيات ومواقف الجزائريين، مهما كانت فيه مواقعهم الاجتماعية داخل دواليب الدولة، علمًا بأن هذه القوة الانتخابية الضاربة ذات الأهمية في الانتخابات التشريعية، يمكن أن تتحول إلى شبه أغلبية في المناطق الجنوبية، ذات الكثافة الديمغرافية الضعيفة، وسوف تحدد لمن تكون نتائج الانتخابات التشريعية، كما هي الحال في ولايات الجنوب الحدودية والتي تتميز بحضور عسكري منتشر في تلك الولايات.

وعلى الرغم من أن المشهد السياسي الحالي قد يوحي مسبقًا بأن نسب المشاركة في هذه الانتخابات الرئاسية التي دعت إليها السلطة هذه المرة ستكون ضعيفة للغاية في حال تمت هذه الانتخابات بهدوء، ولم تعرف انزلاقات أمنية نتيجة المعارضة التي يبديها جزء مهم من الحراك الشعبي والقوى السياسية لهذا الاستحقاق الانتخابي.

على أن هذا الاستحقاق لن يكون محطة لإنتاج مشهد سياسي جديد تنتج عنه قطيعة مع النظام السياسي المرفوض شعبيًّا والمتهم بمحاولة تجديد جلده من خلال هذه الانتخابات. ومع أن هذه الانتخابات قد ترشحت لها وجوه قديمة ارتبطت لسنوات بالنظام، وتحوم حول بعضها شبهات بالفساد، إلا أن ذلك لن يساعد قطعًا في تجنيد المواطنين للمشاركة فيها يوم الاقتراع، أو تجنيدهم خلال الحملة الانتخابية التي يصعب تصور تنظيمها بشكل طبيعي في الظرف السياسي والأمني الذي تمر به الجزائر الآن، رغم أنه لا توجد لحد الساعة قوى سياسية منظمة وفاعلة دعت صراحة إلى منع إجراء الانتخابات أو التشويش عليها في حالة تنظيمها في وقتها المحدد. وحتى في منطقة القبائل التي يتوقع مستويات مقاطعة كبيرة نتيجة شبه الإجماع الرافض لها بين أبناء هذه المنطقة وأحزابها وقواها السياسية.

المشاركون

وقد صادق المجلس الدستوري على قائمة نهائية بأسماء المترشحين وهم خمسة:

-عبد المجيد تبون: مرشح مستقل، ورئيس وزراء سابق

-علي بن فليس: رئيس وزراء سابق، ورئيس حزب طلائع الحرية

-عز الدين ميهوبي: الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي وآخر وزير للثقافة

-عبد القادر بن قرينة: رئيس حزب العدالة والبناء، تقلد عددا من المناصب من بينها وزير السياحة ورئيس البرلمان

-عبد العزيز بلعيد وهو رئيس جبهة المستقبل

وتتراوح أعمار المترشحين بين 56 و75 سنة، وجميعهم تقلدوا مناصب سياسية في عهد بوتفليقة.

وينظر لعلي بن فليس على أنه “جزء من النظام السابق” وأنه أقرب لأحزاب المعارضة التقليدية، خاصة بعد رفضه للمرحلة الانتقالية، وقبوله دعوة الجيش للانتخابات.

أما عبد المجيد تبون فهو الآخر يتذكره غالبية الجزائريين كوزير للسكن، و رئاسته للحكومة لم تدم أكثر من ثلاثة أشهر في 2017، بسبب خلافات بين المسئولين داخل النظام السابق.

وبالنسبة لعبد القادر بن قرينة، فهو ممثل التيار الإسلامي في قائمة المرشحين. كان أحد مؤسسي حركة مجتمع السلم (تيار الإخوان المسلمين) قبل أن ينشق عنها ويؤسس حركة البناء الوطني.

ويرأس عز الدين ميهوبي حزب التجمع الوطني الديمقراطي، أحد الحزبين الرئيسيين للسلطة، إلى جانب جبهة التحرير الوطني.

أما عبد العزيز بلعيد، فهو الأقل شهرة بين المترشحين، وقد تدرج في المنظمات الشبابية الموالية للسلطة، إلى أن أصبح رئيس حزب، وكان طيلة مسيرته، من بين من اعتمد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة على دعمهم في سنوات حكمه.

ويخشى مع الشرعية المنقوصة التي قد يحصدها أي مرشح في وسط عزوف شعبي عن المشاركة، من عدم تمكِّن الرئيس الجديد من رفع التحديات التي تنتظره، ليس على المستوى السياسي فقط، بل على الجبهات الاقتصادية والاجتماعية، وستكون الجزائر أمام تحديات كبيرة جرَّاء الوضع الاقتصادي والمالي للبلاد، وهو وضع مرشح لصعوبات أكبر على المديين القصير والمتوسط. كما أن الرئيس الجديد سيواجه مواطنين زادت مطالبهم وتغيرت نظرتهم إلى المؤسسات والنخب التي تحكمهم بفعل القطيعة التي كونها الحراك الشعبي.

وتتوقع دراسة “الشارع السياسي” أنه على المستوى المؤسساتي أن الرئيس الجديد المنتخب بهذه الشروط التي تقترحها الانتخابات المقبلة، لن يكون في موقع قوة يسمح له بإحداث التغييرات التي يتطلبها الوضع في الجزائر، كما عبَّر عن ذلك الرأي العام الوطني من خلال الحراك الشعبي الذي يطالب بالفصل بين السلطات، والحد من تغول السلطة التنفيذية على السلطات الأخرى بما فيها القضاء والبرلمان، ومنح حريات إعلامية وسياسية أوسع للجزائريين، عكس ما عبرت عنه بشكل فج تجربة إدارة الرئيس بوتفليقة في العشرين سنة الأخيرة التي تغوَّل فيها شخص الرئيس مما لم يسمح لهذه المؤسسات المعطلة عمليًّا بالقيام بالإصلاحات التي كانت مطلوبة في وقتها مثلما كانت الحال مع البرلمان أو السلطة القضائية.  مع أنه كان من الممكن أن تسهم مؤسسة الرئاسة في تحسين أداء النظام السياسي بالتدريج، قبل دخولها النفق المظلم الذي وصلته في آخر أيام حكم الرئيس المتنحي، بوتفليقة.