لا يختلف الوضع كثيرا في فلسطين عن مصر، فهناك الاحتلال يقتل المتظاهرين ويعتدي على الحرائر ويغتال الأسرى في سجونه، وهنا يرتكب الانقلابيون نفس الجرائم وأكثر.
وفي المعتقلات، لا تختلف القضبان كثيرا؛ نفس القهر والإذلال الذي يمارسه الصهاينة يتكرر على أيدي زبانية “العقرب” و”طره” و”الزقازيق” و”وادي النطرون”، لا فارق سوى في أسماء القتلة وجنسياتهم؛ فيما تتطابق الجرائم وتتكرر الانتهاكات.
وفيما كان الضحية الجديد في سجون الاحتلال هو عزيز عويسات تكررت أسماء قتلى السجون المصرية، النائبين بالبرلمان الدكتور فريد إسماعيل، ومحمد الفلاحجي، والدكتور طارق الغندور الأستاذ بطب عين شمس، والمهندس عبد العظيم الشرقاوي عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان، بالإضافة إلى 37 شهيدا في سيارة ترحيلات مصر الجديدة، وغيرهم.
الاحتلال يقتل الأسير “عويسات”
استشهد، الأحد، الأسير الفلسطيني، عزيز عويسات (53 عاماً)، بعد تعرضه لاعتداء وحشي من قبل قوات الاحتلال في السجون الإسرائيلية، أدى لإصابته بجلطة حادة قبل وفاته.
وأعلنت “هيئة شؤون الأسرى والمحررين”، و”نادي الأسير” الفلسطيني، أن الأسير المقدسي استشهد في مستشفى “أساف هروفيه” الإسرائيلي، عقب نقله من عيادة سجن “الرملة”، حيث كان يعاني من التهاب حاد وضغط رئوي في رئته اليسرى، بعد تعرضه لاعتداء وحشي من قبل قوات تابعة لسجون الاحتلال.
واتهم رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين، عيسى قراقع، سلطات الاحتلال بقتل الأسير عويسات، مطالباً بلجنة تحقيق دولية في هذه الجريمة.
وكان عويسات يعاني من فشل في غالبية أعضاء جسده، ويقبع في غرفة العناية المكثفة بمستشفى “أساف هروفيه”، موصولاً بأجهزة التنفس الصناعي، وخضع قبل يومين لتصوير بالرنين المغناطيسي، وتبين أنه يعاني من التهاب حاد وضغط رئوي في رئته اليسرى.
وأكدت مصادر حقوقية أن الاعتداء على الأسير عويسات “تم بشكل وحشي”، ما أدى إلى إصابته بجلطة حادة وتعطل عمل القلب.
وبحسب تقرير سابق لنادي الأسير الفلسطيني فإن “إسرائيل” تعتقل قرابة 6500 فلسطيني، من بينهم 350 طفلاً و62 امرأة بينهن 21 أماً، وثماني فتيات قاصرات، إضافة إلى ستة نواب في المجلس التشريعي الفلسطيني.
الانقلاب يقتل العشرات قبل “عويسات”!
مفردات القتل السابقة ليست جديدة على المصريين؛ خاصة في السنوات الخمس الأخيرة التي أصبح الإهمال الطبي المتعمد للسجناء، ومنع الأدوية، والتعذيب، ووقف إجراء العمليات الجراحية والإهمال في متابعتها طبيا بعد الإجراء.. من أهم الوسائل التي تتبعها ميليشيات الانقلاب في معاملة المعتقلين المرضى، فضلا عن الوسائل التي تؤدي إلى المرض، ومنها سوء التهوية والتكدس الذي يؤدي للاختناق وانتشار الأمراض الجلدية ، ومنع الطعام والأغطية والرطوبة التي تمتليء بها الزنازين، فضلا عن الحبس الانفرادي الذي يؤدي إلى الكثير من الأمراض البدنية والنفسية، والذي قد يستمر لأيام في بعض السجون ولسنوات في حالات أخرى كثيرة، ومنها الرئيس محمد مرسي وقيادات الإخوان ونائب رئيس حزب الوسط عصام سلطان، وغيرهم.

37 شهيدا في “سيارة ترحيلات مصر الجديدة”
وننقل تحقيق الصحفي بجريدة “الجارديان” البريطانية باتريك كينجسلي حول جريمة سيارة الترحيلات، والذي نقل روايات بعض الناجين من المذبحة وأقارب الشهداء الذين نقلوا شهادات مروعة لحقيقة ما جرى عندما مات 37 معتقلا خنقا جراء إطلاق الغاز المسيل للدموع عليهم داخل سيارة الترحيلات وحبسهم داخل السيارة لمدة تزيد عن 6 ساعات في درجة حرارة تقارب الـ40 درجة مئوية.
وبدأ الصحفي تقريره برواية تفاصيل الساعات الأخيرة من حياة المخرج محمد الديب أحد ضحايا المجزرة، الذي قدم وصيته شفهيا حيث لم يكن لديه ورقة لكتابتها ولم يكن هناك محام، فكل ما استطاع فعله أنه أخبر المعتقل الذي بجانبه بالديون التي عليه سدادها والوصية التي يريد إيصالها إلى والدته حول تفاصيل وفاته.
وكان دياب من ضمن 45 معتقلا تم إلقاؤهم داخل عربة الترحيلات في ساحة سجن أبوزعبل بالقاهرة. وفي وقت الحادثة كان المعتقلون قد أمضوا 6 ساعات داخل العربة، وكانت درجة الحرارة في الخارج 31 وفي الداخل بالطبع كانت أشد حرا. ولم يكن هناك مكان للوقوف ولم يكن لدى المعتقلين أي مشروبات، وقام بعضهم بخلع قمصانهم ومحاولة الشرب من العرق الذي تصبب منهم من شدة الحرارة. وفي هذه اللحظة كان الكثير منهم قد فقد الوعي تماما.
في يوم الأحد الموافق 18 أغسطس في الساعة 6:30 صباحا تم تكبيل أيادي 45 سجينا، وكان كل اثنين مكبلين سويا، فيما عدا عبد المعبود الذي تم تكبيله مع اثنين آخرين. وكان المعتقلون الخمسة من محافظة الشرقية آخر من تم الزج بهم في سيارة الترحيلات.
وقد أظهر أحد التقارير الهندسية أن السيارة مهيأة لحمل 24 شخصا على الأكثر، ولكن في هذه الحالة تم وضع 45 سجينا في نفس العربة ولذلك تم إغلاق باب العربة بصعوبة.
وقد استغرقت الرحلة إلى سجن أبو زعبل ساعة من الزمن، وفي داخل العربة كان السجناء مكدسين فوق بعضهم البعض ولم يستطيعوا الوقوف بشكل طبيعي.
وساء الوضع عندما وصلوا إلى ساحة السجن، حيث لم يعد هناك هواء كاف للتنفس بعدما توقفت العربة، وما حدث في الساعات التالية تم التحقيق بشأنه وأدلى بعض الضباط بشهادتهم حوله؛ وقد أيدت شهادة أحد الضباط الناجين من الحادثة. ويدعى الضابط عبد العزيز ربيع عبد العزيز، وقد رفض إجراء حوار مع الجارديان ولكنه أدلى بشهادته في النيابة، والتي كشف عنها المحامون وأكدتها مصادر أخرى تحدثت معها الجارديان، ويدعي عبد العزيز أن اسطوانات التهوية الخاصة بالعربة تم كسرها.
وكانت درجة الحرارة في ذلك اليوم 31.1 مئوية، وقد أجبر الـ45 معتقلا على الانتظار داخل العربة حتى يصل باقي المعتقلين الـ600 القادمين من رابعة إلى أبو زعبل. وكانت هناك 15 سيارة ترحيلات أخرى وصلت قبلهم، وقد استغرق إنزال المعتقلين من كل عربة حوالي نصف ساعة لأن كلا منهم كان يتم استقباله بالطريقة المعتادة وهي الضرب والتعذيب فور نزولهم من العربة.
وكانت العربة رقم 11 في طابور سيارات الترحيلات، وبالتالي فقد كان على الـ45 سجين الانتظار لمدة طويلة حتى يتم إنزالهم.
ويروي الناجون أن درجة الحرارة كانت لا تطاق وكان المعتقلون يقفون على رجل واحدة وقد امتلأت ملابسهم بالعرق وبدأ الأكسجين في النفاذ. ويروي عبد المعبود أنه في هذه اللحظة بدأ السجناء في الصراخ والاستغاثة وطرق جوانب العربة، ولكن لم يستجب أحد.
وبحسب رواية حسين عبد العال وشكري سعد، شعر الاثنان بأنهما يحتضران. حيث خضع عبد العال لجراحة قلب مفتوح منذ عامين وكان شكري سعد مريضا بالسكر. ويقول عبد العال إنه لاحظ على شكري سعد أنه يفقد وعيه واستغاث طلبا للمساعدة قائلا إن أحدهم على وشك الموت، فجاء الرد بأنهم يريدون موتهم جميعا.
ويروي الناجون في شهاداتهم لصحيفة الجارديان بأن الضباط طلبوا منهم أن يسبوا الرئيس مرسي كي يتم اخراجهم، فقام الشباب بالسب ولكن رفضوا إخراجهم. ثم طلبوا منهم أن يطلقوا على أنفسهم أسماء نساء، وبالفعل قام البعض بذلك ولكن كان الرد “نحن لا نتحدث مع النساء”.
وفي شهادته لدى النيابة قال الضابط عبد العزيز إن بعض الضباط الصغار طلبوا من مديريهم أكثر من مرة أن يسمحوا بفتح السيارة وإعطاء السجناء مياها، ولكنهم رفضوا لمدة 4 ساعات ثم تم السماح بالمياه ولكن فقد الضباط مفتاح باب السيارة، فقام الملازم محمد يحيى بكسر القفل. ولكن حتى ذلك الوقت لم يتم السماح للسجناء بالخروج فيما عدا عبد العال الذي كان واقفا بجانب الباب تم السماح له بالوقوف على حافة الحافلة وتم إلقاء قطرات المياه عليه، ثم تم دفعه إلى الداخل مرة أخرى.
وبالرغم من قيام جميع الحافلات الأخرى بترك الباب مفتوحا إلا أن حافلة قسم مصر الجديدة لم تفعل ذلك وقامت بغلق الباب بالكلابشات.
ويقول عبد العزيز إنه في النهاية قام صغار الضباط بإلقاء المياه بأنفسهم من فتحة النافذة.
ولكن السجناء كانوا قد وصلوا إلى مرحلة حرجة حيث أصيب أغلبهم بالغثيان وقام البعض بتلاوة وصيته. ويقول سيد جبل “سقط كبار السن أولا، ثم لحق بهم الشباب، واحدا تلو الآخر، وفي الخارج كان الضباط يضحكون ويسبون مرسي.”
وقام الشباب بالطرق على جوانب الحافلة بقوة واستمروا في الطرق حتى سقطوا جميعا وصمتت الحافلة عندما سقط الجميع مغشيا عليهم.

وبحلول الساعة الواحدة ظهرا جاء دور السجناء في النزول ونادى عليهم الضباط أن يتجهزوا لتسليم ما لديهم إلى موظفي السجن، ولكن أغلب من بالداخل لم يستطع حتى الوقوف.
وبعد ذلك تم إلقاء قنبلة غاز داخل السيارة، ما أدى إلى وفاة الجميع، سواء الذين أرهقوا من قلة الأكسجين، أو الذين كانت لديهم بقية مقاومة فماتوا اختناقا من الغاز.
وقال د. هشام فراج المتحدث باسم مشرحة زينهم: “قررنا أن الشرطة هي المسؤولة عن قتل السجناء لأنهم قاموا بملء الحافلة بـ45 سجينا وهو رقم كبير جدا لأن الحافلة تستوعب 24 فقط. وبالتالي كان هناك نقص في الأكسجين مما سرع من وتيرة القتل عندما تم إطلاق الغاز.”
وبسبب تكدس السجناء كان من الصعب فتح باب العربة مما اضطر الضباط إلى استخدام منشار آلي لفتحه، وفي النهاية استطاعوا فتح جزء صغير خرج منه 8 فقط أحياء وكانت بشرتهم مليئة بالخدوش.
وفي أحكام غير رادعة على تلك الجريمة قضت محكمة جنح النقض بتأييد الحكم الصادر ضد المقدم عمرو فاروق، نائب مأمور قسم شرطة مصر الجديدة سابقا، بالسجن مع الشغل لمدة 5 سنوات، كما أيدت المحكمة معاقبة 3 ضباط شرطة آخرين بالحبس لمدة سنة واحدة مع إيقاف التنفيذ.